
حين تُختبر البراءة

في الجنوب، تتبدّل ملامح الطفولة بهدوءٍ قاسٍ. لا يعود الزمن يُقاس بالأيام المدرسية أو مواسم اللعب، بل بإيقاعٍ آخر، تفرضه أصواتٌ لا تُشبه الحياة التي كان ينبغي أن يعيشها الأطفال.
هناك، ينشأ الصغار وهم يلتقطون التفاصيل قبل أوانها. يميّزون بين الأصوات، يقرأون وجوه الكبار، ويفهمون من الصمت ما لا يُقال. تتسرّب إليهم مفردات ثقيلة، لا عبر شرحٍ مباشر، بل من تكرارها في الأحاديث والقلق اليومي، فتستقرّ في داخلهم كحقائق مبهمة.
وحين يسألون: “متى منرجع؟”
لا يكون السؤال عابرًا، بل تعبيرًا عن حاجةٍ فطرية للثبات، لشيءٍ مألوف يُعيد ترتيب العالم في عيونهم. هم لا يدركون تعقيدات الواقع، لكنهم يشعرون بفقدان ما كان يمنحهم الطمأنينة.
في هذا السياق، تتشكّل طفولة مختلفة.
طفولة تتعلّم التكيّف بدل الاكتشاف، وتبحث عن الأمان بدل المغامرة. يكبر الطفل وهو يحمل وعيًا لا يتناسب مع عمره، ويُخفي خلف سلوكٍ عادي تساؤلاتٍ أكبر منه.
ومع كل ذلك، تبقى فيهم مساحة تقاوم.
لحظات ضحكٍ مفاجئة، ألعاب بسيطة تُخترع من لا شيء، ومحاولات بريئة لإعادة بناء عالمٍ صغير يمكن احتماله.
تلك المحاولات ليست تفصيلًا عابرًا،
بل دليلٌ على أن الطفولة، مهما ضاق بها الواقع، لا تنطفئ بسهولة.






