
لا متسعَ لغيابكِ، أعذريني يا ضاحيتي./ نادين خزعل.
يا ضاحيتي..
أعذريني……
أعذريني لأنني خذلتك وما وفيت عهدي وأنتِ الوعد…
وكيف غادرتكِ يا ضاحيتي خوفًا من خريطة وأنتِ خارطتي؟
ألملمُ ذاتي في موائل شتاتي، وكل درب لا يوصل إليك غريب وموحش…..
أبحث عني في أحيائك، وأبحث عنك في أرجائي، فلا أجدك ولا تجديني……
وأمشي مثقلة بما تبقّى من عبق البيوت،
بما علق في يدي من دفءِ مقابض الأبواب،
بما تسرّب إلى داخلي من همس الجدران..
حين آمنتُ أن الليل،
مهما اشتدّ، لا يقوى على اقتلاع الضوء من المقل….
يا ضاحيتي…
كيف أُقنع أفكاري المبعثرة أن الغياب عنك نجاة…
أليست النجاة هنا خيانة؟
كيف البعد عنك أصبح حياة والمكوث فيك موعد موت مؤجل؟؟؟
كيف أشرح لقلمي أن الدروب التي كانت تحفظ أسماءنا
صارت تتهجّى الخوف بصوتٍ عالٍ؟
وكيف لا أعاتب مقلتيّ وقد أضاعت معالم شوارعك وباتت لا تعرف ملامحها؟
وكيف لحقد وغدر أن يشوه وجهك؟
تائهة أنا دونك….
أحمل وجهي على كتفي،
وأحمل شوارعك في دمي،
وأمضي… كأنني أقتلع نفسي من نفسي،
كأن الرحيل سكينٌ بطيء
يكتب على خاصرتي:
“هنا كان بيت”….
“هنا حتى الآن ما زال بيت”..
“هنا لا أدري أين البيت”…
ضاحيتي المحاصرة بالنار…
أيتها القديسة التي علّمتني كيف ينبت الصبر في الحصار،
وكيف تصير الحكايا درعًا،
والذاكرة سلاحًا…
أعذريني ضاحيتي…
إغضبي…
ولك أن لا تسامحيني..
ولك أن لا تعذري أنني ما غادرتك إلا كي أبقى،
وما تركتُكِ إلا لأنكِ سكنتِني حتى لم يعد فيّ متّسع لغيابك.
ضاحيتي….
السماء اليوم لا تهطل الأمطار…
هي من الغيم دموع…
لمدى موجوع…
وأمضي في غربتي الباردة…
أعانق الرياح الآتية من جهتك:
بلّغي يا رياح حجارة الأرصفة أنني ما زلت أعدّها نجومًا…
وأن النوافذ المغلقة هي جروح مشرعة حتى العودة…
أكتبكِ الآن…
يا ضاحيتي،
يا جرحًا إذا ناديتُه
سال الحنين دماً،
وإذا سكتُّ
ضجّ الصدى في أضلعي:
“عودي…”
يا ضاحيتي،
أنا لاجئة في جسدي الممزق
ونازحة عن روحي المكسوة بالوجع..
مُقيمٌة في غيابك،
ضائعة بين خريطةٍ تمزّقت
وقلبٍ يرفض الحدود.
ضاحيتي الجميلة رغم الموت والدمار والحطام،
سأعود يا ضاحيتي…
وسأختلس من صلاتي
عودة على هيئة دعاء،
ومن هذياني عودة على هيئة دمعةٍ تسقط خلسةً على ترابك…
سأعود كظلٍّ يتسلّل آخر الليل
ليعدّ خطواته نحوكِ…
سأعود،
لأن الذين يُقتلعون من أمكنتهم
لا يموتون…
بل يصيرون أوطانًا تمشي،
تتألم،
وتبكي،
وتنتظر.
وفي احتدام الاحتراق يحلُّ العيد…
وأيُّ عيدٍ هذا الذي يمرُّ على الوجع كالغريب؟
الله أكبر
وأيُّ تكبيرٍ يعلو،
والقلبُ مكسورٌ عند عتبات البيوت التي غابت؟
يُقال: هذا عيد الفطر…
ونقول: لا عيدَ…والوطن بعيد…
الدمعُ ما زال طريًّا على خدود الأمهات،
والدمُ لم يجفّ عن ذاكرة الأرض،
والشُّهداءُ لم يُكملوا حديثهم الأخير.
أعذريني ضاحيتي..
خبّأت ثياب الفرح في أدراج الحنين،
وارتديت وجوهًا من صبرٍ مُتعب..
وكلنا متعب…
نصافح بعضنا بعضًا بعيونٍ دامعة،
ونهمس:
“تقبّل الله…”
في الحناجر غصّة،
وفي الدعاء انكسار…
يا عيد…
لا تقرع أبواب المغادرين..
لا تُثقلها ببهجتك المؤجَّلة،
فهنا جرحى يكتبون الحياة بألمهم،
وهنا شهداء علّمونا
أن العيد الحقيقي
ليس يومًا في التقويم،
وأن العيد كرامةٌ لا تُذبح،
ووطنٌ لا يُغادَر،
وأحبةٌ لا يُفقدون.
فلا عيد…
ما دام فينا هذا النزف،
ولا فرح…
إلا حين تعود الضاحية وكل لبنان قلبًا نابضًا
لا يتهجّى الفقد،
بل يكتب الحياة من جديد.





