
نقسم بالدماء التي سالت إننا سنكون بمواجهة الثنائي الوطني إذا مال للتسامح مع صهاينة الداخل بعد الحرب
كتب علي شفيق مرتضى في ٢٩ آذار ٢٠٢٦
يتساقطون…
لا كأسماءٍ في نشرات الأخبار،
بل كأرواحٍ كانت تمشي بيننا، تضحك، تحلم، وتُقسم أن لا تترك هذا الوطن يسقط.
يتساقطون…
كورقٍ في مهبّ ريح الأعداء،
لكن الفرق أن الورق لا ينزف… وهم نزفوا ليبقى لبنان.
لم يسألوا يومًا: لمن هذا الوطن؟
لم يفتّشوا عن طائفةٍ تحميهم،
ولا عن منطقةٍ تختصرهم،
بل اختاروا بدمائهم أن يحفظوا لبنان… كل لبنان.
لكن،
وببرودةٍ لا تشبه الدم،
وبوقاحةٍ لا تشبه التضحيات،
يخرج علينا صهاينة الداخل…
عملاء الأمس واليوم،
ليعيدوا طعن الحقيقة،
ويحاولوا سرقة معنى الدم.
نقسم…
بعزة الله وجبروته،
نقسم بكل ما هو مقدّس،
نقسم بلبنان… بشرقه وغربه، بجنوبه وشماله، ببحره وجبله، بأرزته التي لا تنحني…
نقسم بدموع الثكالى التي أحرقت القلوب،
بصرخة أخٍ فقد أخاه ولم يجد حتى وقتًا للبكاء،
بدمعة طفلٍ ينتظر أبًا لن يعود،
بأبٍ حمل نعش ابنه وكأنما يحمل قلبه المكسور بين يديه…
نقسم… بالبيوت التي هُجّرت،
بالجدران التي ما زالت تحفظ ضحكات أطفالها،
بالنوافذ التي كانت تفتح على صباحٍ آمن فأصبحت تطل على غياب،
بالحجر الذي شهد طفولةً وشبابًا وشيخوخة… ثم شهد كيف قُتلت الحياة فيه.
نقسم بالأحياء التي مُسحت من الذاكرة قبل أن تُمحى من الأرض،
بالطرقات التي كانت تعجّ بالحياة فأصبحت صدى،
بالأبواب التي أُغلقت على عجل… ولم تُفتح حتى الآن.
نقسم بالتهجير الذي كُتب على وجوه الناس،
بالنزوح الذي حملوه بصمت،
بأناسٍ خرجوا من بيوتهم ولم يحملوا إلا قلوبهم… وذكرياتهم الثقيلة.
انتظروا…
فرحة النصر،
بلا تذمّر، بلا شكوى، بلا انكسار…
وكأن الألم تفصيل،
وكأن الصبر قدرٌ لا يُناقش.
نقسم بالشرفاء…
الذين فتحوا بيوتهم قبل أبوابهم،
الذين اقتسموا الخبز والوجع،
الذين أثبتوا أن هذا الوطن ما زال فيه ما يستحق الحياة.
ونقسم أيضًا…
بقلةٍ لفظت هؤلاء،
بقلوبٍ ضاقت بالنازحين،
بأصواتٍ كشفت نفسها بنفسها…
فسقطت من معنى الوطن قبل أن تسقط من عيون الناس.
لقد صبرنا…
طويلًا… أكثر مما يجب.
وسامحنا…
كثيرًا… أكثر مما يُحتمل.
وتحملنا…
باسم “شركاء الوطن”… ما لا يُحتمل أصلًا.
لكن الحقيقة التي لم تعد تُخفى:
ليس كل من جلس إلى الطاولة شريكًا،
وليس كل من رفع شعار الوطن كان يومًا له.
الشراكة ليست كلمة تُقال،
الشراكة موقف… ثمن… ودم.
ومن لم يدفع، لا يحق له أن يساوي نفسه بمن نزف.
اليوم نقولها…
لا همسًا… بل وضوحًا يليق بالدم:
انتهى زمن التعمية،
انتهى زمن التغاضي،
انتهى زمن الإفراط في التسامح الذي كاد أن يتحول إلى ظلمٍ بحق أنفسنا.
هؤلاء ليسوا شركاء…
هؤلاء خذلوا الفكرة قبل أن يخذلوا الناس،
وهدموا المعنى قبل أن يتكلموا عنه.
وخطرهم…
ليس لأنهم في الخارج،
بل لأنهم حاولوا أن يكونوا بيننا.
نقسم بالدماء التي سالت،
وبالبيوت التي خلت،
وبالمدن التي أُتعبت،
وبالوجوه التي هَرِمت قبل أوانها…
نقسم بالدماء التي سالت إننا سنكون بمواجهة الثنائي الوطني إذا مال للتسامح مع صهاينة الداخل بعد الحرب تحت مسميات الشراكة الوطنية.
استكلابهم آلمنا وجرحنا في الصميم ،
لن ندخل في الإسماء ،
فالكل يعرف من نقصد،
هؤلاء كلاب الصهاينة والأمركة في يومياتهم واصحاب التاريخ في العمالة وبعض القادمين من إملاءات الخليج الاسود الغارق بالتطبيع.
أننا لن نقبل بعد اليوم أن يُعاد إنتاج الوهم،
ولا أن نُلدغ من الجرح ذاته مرةً أخرى.
هذا ليس تهديدًا…
بل موقف واضح لا لبس فيه.
ليس دعوةً للفوضى… بل للقصاص لكل ما أسلفت ، إكراما للشهداء والجرحى وكل ذي ألم قلبي.
فلتكن إعلان نهاية مرحلةٍ كاملة من التساهل السياسي.
من أراد الوطن… فليكن بحجم تضحياته.
ومن اختار موقعًا آخر…
فليتحمل اسمه كما هو، بلا تزوير… ولا أقنعة.
لبنان الذي حُفظ بالدم…
وبالبيوت التي صمدت،
وبالناس التي نزحت ولم تنكسر…
لن يُسلّم بعد اليوم لمن لم يعرف معنى الدم…
ولا معنى البيت…
ولا معنى الوطن.





