× الرئيسية لبنان العالم اقتصاد رياضة أخبار تربوية صحف الأبراج الطقس تكنولوجيا أخبار إقليمية نشاطات مقالات خاص HOSTNEWS أمن وقضاء من نحن
الثلاثاء، 21 يوليو 2026 | بيروت
f X tg ig
عاجل
ثروة بشار الأسد المخفية في لندن.. رحلة البحث عن الأموال السورية المنهوبة اخبار دولية

ثروة بشار الأسد المخفية في لندن.. رحلة البحث عن الأموال السورية المنهوبة

2026-07-20 16:00 HOSTNEWS كاتب
HOSTNEWS كاتب
كاتب في HOSTNEWS HOSTNEWS كاتب

كاتب في HOSTNEWS، يتابع آخر الأخبار والتطورات المحلية والدولية.

2026-07-20 112 مقالات
كل المقالات

أمضى الشاب السوري إياد حميد عقداً ونيفاً في غربته بلندن بحثاً عن شيء معين، فابتداء من شبكة غسل الأموال في موسكو، مروراً بالملاذات الضريبية في الخارج، وصولاً إلى شركات الواجهة التي أقيمت في مالطا وجزر سيشل، بذل حميد جهداً لتعقب ثروة الديكتاتور المخلوع بشار الأسد، حتى يخضع كل قرش منها للعقوبات، مع العمل على إعادة تلك الأموال للضحايا إن أمكن، غير أن مساعيه تعرقلت بسبب عقبة واجهها في لندن.

تابع HOSTNEWS على تيليغرام

احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.

بداية الخيط لثروات طائلة

بدأت آخر محطات رحلته الصعبة في أيلول 2024، عندما سافر حميد، 39 عاماً، إلى بولندا ليلتقي بمحامين وخبراء في العقوبات داخل قاعة اجتماعات في أحد الفنادق البسيطة الواقعة في مركز مدينة وارسو.

هناك، قرر الجميع الخوض في تلك المشكلة المعقدة، والمتمثلة بكيفية الاستفادة من مبلغ قدروا قيمته بنحو مليار دولار من الأصول المصادرة للدولة السورية، إذ بدلاً من ترك تلك الأموال مجمدة في حسابات أو خزائن حكومات أجنبية، قررت تلك المجموعة توجيهها نحو صندوق معين هدفه تعويض ضحايا نظام الأسد

في عام 2022، قدرت وزارة الخارجية الأميركية الثروة الصافية لآل الأسد بمبلغ يتراوح ما بين مليار وملياري دولار، معظمها جاء عبر الاتجار بالسلاح والكبتاغون، ولكن حتى الحكومة الأميركية نفت صفة الدقة عن تلك التقديرات، نظراً لوجود شبكة من شركات وهمية وحسابات مصرفية ومحافظ عقارية تخفي تلك الثروة، بما أن معظمها مسجلة في ملاذات ضريبية خارج سوريا، أو بأسماء أشخاص آخرين.

يعلق حميد على ذلك في حديثه لصحيفة “الأوبزيرفر” قائلاً: “بدأنا العمل على هذا الملف قبل عام على سقوط نظام الأسد، وكان دافعنا لذلك ما حدث للعقوبات الروسية مع أوكرانيا، عندما خصصت أموال رجال الأعمال الروس المقربين من الحكومة الروسية والذين دعموا بوتين لإعادة بناء أوكرانيا، فكانت فكرتنا: لم لا نفعل الشيء نفسه مع الأموال السورية المنتزعة من النظام لدعم من كانوا ضحايا لجرائمه؟”

قدم فريق من المحامين الذين أتوا من واشنطن إلى وارسو وثائق لحميد تساعده في العثور على قسم من ثروة الأسد في مكان قريب، أقرب مما تخيل، وذلك بعد أن عثروا في ملفات قضائية على معلومة مفصلة مثيرة للاهتمام، يمكن أن تكون بداية الخيط الذي يقود إلى تلك الثروة.

المملكة المتحدة كملاذ آمن للأموال غير المشروعة

أوردت تلك الوثائق بأن المحكمة العليا في بريطانيا ناقشت فكرة ترك الأسد لمبلغ لا يقل عن أربعين مليون جنيه إسترليني في أحد فروع بنك HSBC بلندن، وذلك قبل أن يترك طب العيون بمشفى وسيترن آي بمارليبون في عام 1994، من أجل أن يصبح رئيساً لسوريا. ويعتقد بأن تلك الملايين درت فوائد كبيرة منذ ذلك الحين، فأصبح مجموع المبلغ 55 مليون جنيه إسترليني بحسب تقارير نشرت في كانون الأول 2024.

يعلق حميد على ذلك بقوله: “كان الجميع يعرف بأن الأسد لديه أموال طائلة، أما المعلومة الوحيدة التي لم نعرفها فهي مكان تلك الأموال”. فمنذ رحيله عن سوريا، أمضى حميد سنوات طويلة وهو يبحث في شبكات معقدة من الشركات الوهمية أو في أماكن يصعب اختراقها مثل دبي، وإلى جانبه ثلة من الخبراء العاملين لدى البرنامج السوري للتطوير القانوني ومقره بلندن.

بيد أن احتمال وجود ثروة شخصية للديكتاتور موجودة في حساب مصرفي بريطاني يمثل فرصة فريدة من نوعها تدفع نحو الاستفادة من تلك الثروة. ويرى حميد وزملاؤه بأن الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على ذلك الحساب المصرفي في عام 2011، ما حرم صاحبه من الوصول إلى تلك الأموال أو التصرف بها، ولهذا يأمل ذلك الفريق أن تستخدم الفوائد التي تراكمت على تلك الملايين لتعويض ضحايا الأسد.

ولكن تبين لهم بأن إمكانية الوصول إلى تلك الأموال شبه مستحيلة، بعد أن رفضت كل من وزارة الخزانة البريطانية وبنك HSBC  تأكيد وجود الحساب من الأساس، سواء أمام المحكمة العليا بلندن، أو في تصريحات للصحافة، غير أن حميد لم يستغرب ذلك، بل قال: “معروف عن المملكة المتحدة أنها ملاذ آمن لثروات الطبقات الأوليغارشية في العالم”.

من خلال تعاملها مع الأموال غير المشروعة والأصول الخاضعة للعقوبات، تحولت بريطانيا إلى حالة استثنائية مقارنة بدول أخرى، فقد أسست السلطات الأوكرانية في عام 2022 آلية قانونية لمصادرة الأصول التي يملكها رجال أعمال روس بارزون في أوكرانيا، مع توجيه عائدات تلك الأصول لمساعي إعادة الإعمار، كما حذا الاتحاد الأوروبي حذو أوكرانيا، بعد أن خصص ملياراً وأربعمئة ألف يورو من الفوائد المتراكمة على أموال المصرف المركزي الروسي المجمدة لتمويل الدولة الأوكرانية وشراء السلاح.

أما المحاكم الأميركية فلديها تاريخ طويل من استغلال الأصول الخاضعة للعقوبات لتعويض ضحايا الجرائم التي ارتكبتها دول، إذ في آذار الماضي، قضت المحكمة الفيدرالية في جنوبي نيويورك بمنح 318 مليون دولار من عائدات بيع برج للمكاتب في مانهاتن كان ملكاً لمصرف إيراني تابع للحكومة، للضحايا الذين تضرروا بسبب جماعات تتبع لإيران، وكان من بينهم ضحايا تفجير ثكنة عسكرية أميركية في بيروت.

أما في بريطانيا فلا توجد سوى أمثلة قليلة على ذلك التحرك، هذا إن وجدت أصلاً، إذ بخلاف أوروبا والولايات المتحدة، فإن القانون البريطاني لا ينص في الوقت الراهن على ما يسمح بمصادرة أصول الحكام الديكتاتوريين أو الطبقات الأوليغارشية واستخدامها لتعويض ضحاياهم. وخلال نقاش دار في مجلس الأعيان في مطلع هذا العام حول أفضل وسيلة لدعم أوكرانيا، وصفت جينيفر تشابمان، وزيرة التنمية الدولية، نظام العقوبات البريطاني بأنه نظام “يمكن من خلاله تجميد الأصول من دون مصادرتها”.

وفي قضية الأسد بالتحديد، يبدو بأن السلطات البريطانية لا تخضع لأي ضغط لتؤكد إن كان هذا الحساب موجوداً بالفعل أم لا، سواء من المحكمة العليا أو من ضحايا الأسد الذين يأملون أن توجه تلك الأموال للإسهام في إعادة بناء بلدهم.

ظهر خبر عن وجود حساب للأسد في بنك HSBC  للمرة الأولى خلال محاكمة بقضية خطف دموية وقعت في عام 1985 وذلك عندما كان حافظ الأسد يحكم سوريا، حيث اختطفت طائرة تعود لشركة مصر للطيران، وعلى متنها ركاب رحلة رقمها 648، على يد مسلحين فلسطينيين بعد إقلاعها بفترة قصيرة وهي متجهة إلى القاهرة من أثينا، وذلك قبل أن تضطر للهبوط في مالطا.

وفي شهادته أمام محكمة بواشنطن في عام 2011، ذكر أحد الخاطفين، واسمه عمر محمد عبد الرزاق أنه أطلق النار على راكبين إسرائيليين وثلاثة أميركيين، فقتل اثنين منهم، ثم ألقى بجثتيهما على أرض المطار. بعد ذلك اقتحمت قوات مداهمة مصرية الطائرة لإنقاذ بقية الركاب، غير أن العملية انتهت بمقتل 56 شخصاً آخرين، مع تدمير شبه كامل للطائرة.

انتهت القضية بحكم قضى بدفع مبلغ قدره 51.5 مليون دولار لفئة غريبة من المدعين، ضمت اتحاد شركات تأمين الطيران الذي طالب بتعويض عن الأضرار التي لحقت بالطائرة، ما أسفر عن الشروع في عملية بحث عالمية عن الأصول المجمدة التابعة لنظام الأسد من أجل تسديد هذا المبلغ، فركز المحققون على لندن، بما أن بشار الأسد وزوجته أسماء كانا يعيشان هناك في مطلع التسعينيات، ومن هنا بدأت معركة قانونية طويلة بين شركات التأمين ووزارة الخزانة البريطانية حول المعلومات المتعلقة بثروة الأسد في بريطانيا.

رفضت وزارة الخزانة البريطانية الإدلاء بأي معلومات عن مكان الأصول في بريطانيا، ما دفع شركات التأمين إلى البحث عنها بوسائل أخرى، إذ تشير وثائق المحكمة العليا تعود لآب 2020 إلى أن تلك الشركات “كانت لديها أسباب دفعتها للاعتقاد بأن رئيس نظام الأسد لديه حساب لدى بنك HSBC في المملكة المتحدة، وكان رصيده آنذاك يتجاوز قيمة الدين القضائي، وذلك استناداً إلى تحقيقات خاصة أجريت في عام 2009″، ما يعني بأن المبلغ يفوق 51.5 مليون دولار.

غير أن شركات التأمين ذكرت بعد أن تواصلت مع ذلك البنك بأنه لم يعثر على أي حساب باسم بشار الأسد، ولهذا يرجح خبراء مثل حميد أن يكون الحساب مسجلاً باسم شخص آخر، بما أن ذلك هو الشائع فيما يتصل بآل الأسد وشبكتهم الواسعة.

من جانبها، قضت المحكمة العليا بأن وزارة الخزانة “تتمتع بصلاحية تقديم المعلومات” المتعلقة بمكان وجود أموال الأسد، لكنها تركت قرار الإفصاح عن تلك المعلومات لوزارة الخزانة نفسها، ما أبقى القضية معلقة.

وعند تواصل صحيفة الأوبزيرفر مع المصرف، قال الناطق باسمه: “إننا لا نتحدث عن علاقتنا بالعملاء، حتى لتأكيد أو نفي وجود علاقة من هذا النوع”، وأضاف بأن البنك ما يزال ملتزماً ببند الامتثال فيما يخص العقوبات.

من جهته، رفض المتحدث باسم وزارة الخزانة البريطانية التعليق على “قضية محددة” وقال إن استخدام الأصول المجمدة لتعويض الضحايا ليس بالأمر المطروح للبحث حالياً في بريطانيا.

غير أن ذلك لم يمنع ديفيد لامي وزير العدل البريطاني من الإدلاء بتصريح شديد اللهجة بشأن تلك القضية، إذ خلال إطلاق مبادرة لمكافحة الأموال غير المشروعة في العام الماضي، قال إنه سيضمن عدم بقاء لندن ملاذاً للأموال المكتسبة بطرق غير مشروعة أمام الحكام الديكتاتوريين والطبقات الأوليغارشية والفاسدة.

وفي تقريره السنوي، أعلن مكتب إنفاذ العقوبات المالية التابع لوزارة الخزانة البريطانية بأن المملكة المتحدة جمدت 37 مليار جنيه إسترليني من الأصول التابعة لروسيا وبيلاروسيا وليبيا، وأن 383.5 مليون جنيه إسترليني من الأصول السورية الخاضعة للعقوبات موجودة في بريطانيا، غير أن وزارة الخزانة البريطانية رفضت الإدلاء بأي تفاصيل عن مكان وجود تلك الأصول أو هوية أصحابها.

وتعقيباً على ذلك، قالت ليرا نايتينغيل من منظمة جبر الضرر الحقوقية والتي تدعو بريطانيا إلى الاستعانة بالأصول المجمدة لتعويض ضحايا التعذيب، بأن الحكومة البريطانية تكتفي في معظم الأحيان بالتباهي بالتصريح بإجمالي الأصول من دون أن تدلي بمعلومات أخرى عنها، وأضافت: “تلك مشكلة كبيرة، تتمثل في انعدام الشفافية بشكل واضح”.

تمنى حميد والناشطون في منظمة جبر الضرر أن يسهم سقوط نظام الأسد في تغيير هذا الواقع، إذ خلال الساعات التي أعقبت هروبه إلى موسكو وانهيار نظامه، اقتحمت حشود من السوريين قصره ومقر إقامته الفخم بدمشق، حيث ظهرت مقاطع مصورة لأشخاص يحملون حقائب من ماركة لويس فويتون وآخرين يبحثون بين حقائب وملابس من ماركة ديور، في حين وثقت مقاطع آخرى أرتالاً من سيارات فيراري حمراء، وسيارات كاديلاك كلاسيكية كحلية اللون، وسيارات لامبورغيني سوداء، بينها عشرات السيارات الرياضية التي بقيت مركونة في مرآب الأسدا

قال “أبو علي” وهو عنصر لدى وحدات الحماية الخاصة التي بقيت تؤمن بيت الأسد على مدار عقود طويلة، بأنه فوجئ مثله مثل غيره بمظاهر الترف الفاحش داخل بيت الأسد، وأضاف أنه أحس بالاستياء بعد أن أدرك بأن أموال الشعب بقيت بيد المخلوع في الخارج، وقال: “لا بد من إعادة تلك الأموال لسوريا”.

على الرغم من كل ذلك، حققت بعض المساعي نجاحات مبهرة، فقد دانت فرنسا رفعت الأسد، عم بشار، والملقب بجزار حماة، عما ارتكبه في مجزرة عام 1982 التي قتل فيها نحو أربعين ألف شخص، إلى جانب إدانته بغسل الأموال واختلاس أموال الدولة السورية والاستعانة بها لتأسيس إمبراطورية عقارية في أوروبا.

وخلال هذا العام، بدأت السلطات الفرنسية محادثات مع الحكومة السورية الجديدة لإعادة 32 مليون يورو من أموال رفعت الأسد إلى سوريا، بعد أن صودرت بموجب ذلك الحكم القضائي.

في حين لم تتخذ بريطانيا أي خطوة مماثلة، فعلى الرغم من تحديد مكان قصر تعود ملكيته لرفعت الأسد في منطقة مايفير بلندن، وبالرغم من أن العقوبات شملت ذلك القصر، فإن الحكومة البريطانية لم تقدم أي معلومات حول مصير هذا القصر مستقبلاً، وذلك بحسب ما ذكرت ناتاليا كوبيش من منظمة جبر الضرر، وأضافت: “ما يزال العقار قائماً من دون وجود أي استراتيجية واضحة بشأن ما سيحدث له، حتى بعد مرور ست سنوات”.

وفي قضية أخرى، اضطرت أنيسة آصف شوكت، ابنة أخت بشار الأسد، للتنازل عن نحو 25 ألف جنيه إسترليني كانت مودعة في حسابها ببنك باركليز في عام 2019، بعد أن وجهت إليها تهمة ارتباط تلك الأموال بنشاطات إجرامية، غير أن تلك الأموال بقيت في بريطانيا.

وبالمقابل، ما تزال الحكومة السورية الجديدة بحاجة ماسة إلى التمويل من أجل إعادة الإعمار بعد سنوات الحرب الطويلة، وهذا ما جعل عبد القادر الحصرية الذي كان حاكماً للمصرف المركزي السوري يتعهد باستعادة الأصول السورية التي خضعت للعقوبات والموجودة في الولايات المتحدة وأوروبا، وقال: “قد لا تكون المبالغ كبيرة، لكن استعادتها واجبة”.

ما يزال حميد على قناعة تامة بأن جزءاً من مليارات الأسد موجود في لندن حتى اليوم، بانتظار أن يتمكن ضحايا النظام البائد من وضع يدهم على تلك الأموال في حال أجازت لهم المحاكم ذلك.

ويرى حميد بأن المنطق يقضي في حال خضوع الحساب المصرفي للعقوبات، بحتمية وجوده بعلم وزارة الخزانة البريطانية بطريقة ما، وأضاف: “إن صح ذلك، فهذا يعني أن الأموال ما تزال موجودة، بما أنه لا يمكن نقلها إلى مكان آخر بكل بساطة.”