ما قام به توم باراك من إهانة للصحفيين في قصر بعبدا يُعدّ إهانة صارخة للدولة اللبنانية برمّتها/ محمد اسماعيل
ما حدث في قصر بعبدا لم يكن مجرد تفصيل بروتوكولي عابر، بل جرح عميق في كرامة الدولة اللبنانية وصورتها أمام شعبها وأمام العالم. الصحفيون الذين يمثلون السلطة الرابعة لم يُهانون بصفتهم أفراداً فحسب، بل أُهينت عبرهم المؤسسات، الحريات، والرأي العام اللبناني بأسره.
إن السماح لأي شخصية أجنبية، مهما كان موقعها أو نفوذها، بأن يتجاوز حدود الاحترام ويعامل الإعلاميين اللبنانيين بفوقية، هو في جوهره طعنة في السيادة، ورسالة خطيرة بأن كرامة الدولة قابلة للتنازل عنها داخل أعلى صروحها الرسمية.
الصحافة في لبنان لم تكن يوماً مجرد مهنة، بل كانت شاهداً وحارساً على الحقيقة، وصوتاً للشعب في مواجهة الظلم والاستبداد. ومن هنا، فإن التعدي عليها في قلب القصر الجمهوري يعني التعدي على روح الجمهورية نفسها.
الصمت عن هذه الإهانة يعني التطبيع مع الذل، والقبول بتقزيم دور لبنان ومؤسساته. لذلك، فإن الواجب يفرض موقفاً واضحاً وصريحاً، يضع حداً لأي تعامل استعلائي مع هذا البلد الذي لم يعتد الركوع.
إهانة وطنية موصوفة شهدها قصر بعبدا اليوم. الموفد الأميركي توم براك لم يتصرّف كضيف ولا كمبعوث دبلوماسي، بل كمستعمر متعالٍ إذ خاطب الصحافيين اللبنانيين قائلاً بوقاحة: “اصمتوا لحظة… في اللحظة التي يصبح فيها الوضع فوضوياً و’حيوانياً’ سنرحل.” عبارة جارحة لا يمكن أن تمرّ مرور الكرام، لأنها لم تطل الصحافيين وحدهم بل أهانت لبنان كلّه من داخل قصر بعبدا.
فخامة رئيس الجمهورية جوزاف عون.. ما جرى اليوم تحت سقفكم ليس زلّة بروتوكولية، بل اعتداء على السيادة وعلى كرامة اللبنانيين. كيف يُسمح لموفد أجنبي أن يصرخ في وجه الإعلاميين وكأنهم رعايا لديه؟ وكيف يُترك قصر بعبدا، رمز الدولة، مسرحاً لعبارات مهينة لا تليق بلبنان ولا بشعبه؟ الصمت في هذه اللحظة لا يُغتفر، بل يُقرأ كقبول ضمني بإهانة لا يجرؤ أي لبناني حر على السكوت عنها.
معالي وزير الإعلام، الصحافي ليس موظفاً عند أحد، ولا متلقياً للأوامر، بل هو صاحب رسالة وناطق باسم الناس. إهانته هي إهانة لكل مواطن لبناني، وصمت الوزارة أمام هذا التطاول هو تخلٍّ عن دورها الأساسي في حماية الكلمة الحرة وصون كرامة العاملين في المهنة.
ما جرى في بعبدا اليوم لم يكن حادثة عابرة. لقد كان صفعة في وجه الصحافة، وإشارة خطيرة بأن لبنان يُعامل كساحة سائبة لا كدولة ذات سيادة. في أي بلد يحترم نفسه، لكان الرد فورياً وحازماً، ولكان المبعوث الذي تجرّأ على هكذا كلام قد وُضع عند حدّه أو أُخرج من القاعة. أما عندنا، فمرّ الأمر بصمت مريب لا يقل خطورة عن الإهانة نفسها.
إننا نطالب رئيس الجمهورية ووزير الإعلام وكل الجهات المعنية بموقف واضح لا لبس فيه، يرفض الإهانة ويرد الاعتبار للصحافيين اللبنانيين. الكرامة الصحافية ليست تفصيلاً ثانوياً، بل هي واجهة لبنان أمام العالم. والسكوت عن إهانتها هو انكسار لهيبة الدولة بأكملها. لبنان ليس مستعمرة، ولا حديقة خلفية لأحد، وهنا صحافة لن تُسكتها تهديدات متعجرفة ولا عبارات متغطرسة. هذا بلد حرّ، شعبه حرّ، وصوته الإعلامي سيبقى أقوى من كل محاولات التحقير والإذلال.
قد يُحاولون كسر قلم أو إسكات صوت، لكن الحقيقة لا تُكمّم، ولبنان الذي أنجب شهداء الكلمة لن يسمح بأن تُداس كرامة صحافييه تحت أقدام أحد. إن احترام الصحافة هو احترام للبنان، ومن يجرؤ على التطاول عليها، يجرؤ على التطاول على وطن بأسره.
شدّد الموفد الأميركي توم برّاك على “أهمية استعادة الاستقرار والأمن في لبنان”، وقال: “سنتابع الاجتماعات اليوم والقادة في البلد يحاولون معالجة المشاكل”.
وأكد برّاك من السراي بعد لقائه رئيس الحكومة نواف سلام أن “مسألة نزع سلاح “حزب الله” داخليّة وبالنسبة لأميركا “الحزب” منظمة إرهابيّة ونحن نبحث مع الحكومة في كيفية المساعدة وتقديم الإرشادات لعودة الاستقرار والسلام إلى المنطقة”.
وأضاف: “لا ضمانات ولا نستطيع إرغام إسرائيل على فعل أي شيء، كما ولا نجبر احد على القيام بشيء بل نحاول المساعدة”.
وتابع برّاك: “لا نفكر حالياً في فرض عقوبات على لبنان”.
وعن الوضع في سوريا، قال برّاك: “أميركا تتفاعل مع التطورات في السويداء بقدر لا يصدق من القلق والألم والتعاطف والمساعدة”، داعياً إلى “محاسبة الحكومة السورية”.
كشفت معلومات لقناة الـ “MTV” عن أن الموفد الأميركي توم برّاك سمع من المسؤولين في لبنان موقفًا موحدًا، وقرأ في مضمون الرد اللبناني إشارات واضحة إلى ضرورة “حصر السلاح بيد الدولة”، و”حصر قرار الحرب والسلم بيدها”، إضافة إلى “بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية”.
وأشارت المعلومات إلى أن واشنطن أعربت عن رضاها الكبير حيال أداء رئيس مجلس النواب نبيه برّي، معتبرةً أنه يضطلع بدور محوري في المفاوضات، لا سيما في ما يتصل بـ”حزب الله” وقنوات التواصل معه، وقد عبّرت الإدارة الأميركية لبرّي عن تقديرها لهذا الجهد.