قضية انفجار المرفأ .. التحقيق سيُستأنف ! اكدت مصادر مقربة من القاضي طارق البيطار إنّ "التحقيق بقضية انفجار المرفأ سيُستأنف والقرار الظنّي سيصدر".…
امن وقضاءنصار يكشف: معطيات جديدة تُقلب تحقيقات انفجار المرفأ
نصار يكشف: معطيات جديدة تُقلب تحقيقات انفجار المرفأ

في موقف يحمل ثقلاً سياسياً وقانونياً استثنائياً، أدلى وزير العدل اللبناني عادل نصار بتصريح بالغ الوضوح في الذكرى السادسة لانفجار مرفأ بيروت، مؤكداً أن هذه القضية تحمل “بعداً وطنياً وإنسانياً ووجدانياً” لا يمكن تجاوزه، ومُحذّراً بصراحة غير مألوفة من وزير عدل لبناني من أن إخفاق القضاء في أداء دوره في هذا الملف سينزع الثقة بين المواطن والدولة في ضربة موجعة لأي مسعى لإعادة بناء العقد الاجتماعي المتصدع بين اللبنانيين ومؤسساتهم.
وزير العدل يتكلم: ليس خطاباً مألوفاً
تابع HOSTNEWS على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
ولا يُشكّل هذا التصريح خطاباً وزارياً اعتيادياً في لبنان حيث تميل الحكومات تاريخياً إلى التزام الصمت أو الغموض الدبلوماسي حيال الملفات القضائية الشائكة. فوزير العدل الذي يُمثّل السلطة التنفيذية المشرفة على القضاء، يتخطى بهذا التصريح الحدود المعتادة بين السلطتين التنفيذية والقضائية، ليُرسل رسالة واضحة مفادها أن الحكومة لا تقبل باستمرار التعثر في هذا الملف وأنها تضع ثقلها خلف مطلب العدالة.
ويتقاطع هذا التصريح مع ما أعلنه الرئيس جوزاف عون في الذكرى ذاتها من أن “القرار الظني بات ضرورة”، في مؤشر واضح على أن السلطة السياسية اللبنانية في أعلى مستوياتها باتت تُجاهر بدعمها للمسار القضائي في قضية المرفأ وترفض الاستمرار في سياسة الصمت التي ميّزت مراحل سابقة.
البعد الوطني والإنساني والوجداني: ثلاثة أبعاد لجريمة واحدة
وحين يُصنّف نصار انفجار المرفأ بوصفه حدثاً ذا “بعد وطني وإنساني ووجداني”، فإنه يُقدّم قراءة شاملة ترفض اختزال الكارثة في حادث تقني أو جريمة فردية معزولة. فالبعد الوطني يُشير إلى أن الانفجار طال الدولة اللبنانية في قلبها، إذ استهدف مرفأها الرئيسي الذي يُعدّ شرياناً حيوياً لاقتصادها، وكشف عن خلل بنيوي عميق في منظومة حوكمة المرافق العامة.
والبعد الإنساني يستحضر الوجه الأكثر مأساويةً للكارثة: مئتان وخمسة وثمانون شهيداً، وآلاف الجرحى الذين لا يزال بعضهم يُعاني من إعاقات دائمة، وثلاثون مفقوداً لم تُعرف مصائرهم، وعشرات الآلاف الذين فقدوا بيوتهم في لحظة واحدة. أما البعد الوجداني فهو الأعمق والأطول أمداً: الجرح الذي لا تضمّده السنوات والألم الذي يتجدد في كل ذكرى طالما أن العدالة لم تتحقق.
التحذير الأبلغ: العدالة أو نزع الثقة
غير أن ما يجعل تصريح نصار استثنائياً في قيمته السياسية هو التحذير الصريح الذي ختمه به: “إذا لم يقم القضاء بدوره فسينزع الثقة بين المواطن والدولة”. وهذه الجملة تُجسّد إدراكاً حكومياً نادر الصراحة لمعادلة بسيطة لكنها عميقة الأثر: العدالة ليست ترفاً دستورياً بل هي الأساس الذي تقوم عليه علاقة المواطن بدولته.
فحين يشعر المواطن اللبناني أن أشخاصاً تسبّبوا في مقتل مئات الأبرياء يمشون أحراراً في الشوارع ويحتلون مواقع مسؤولية دون محاسبة، فإن إيمانه بالدولة لا يتآكل بل يتهاوى. وقضية المرفأ بالتحديد بحجمها الاستثنائي ورمزيتها الكبيرة، باتت اختباراً وجودياً لقدرة الدولة اللبنانية على أن تُثبت أنها دولة حقيقية لا مجرد واجهة بلا مضمون.
الثقة المنزوعة: الكلفة الباهظة للإفلات من العقاب
وليست مخاوف نصار افتراضية بل هي واقع يعيشه اللبنانيون يومياً. فالاستطلاعات والتقارير المتراكمة تُشير إلى تراجع حاد في ثقة المواطنين بالمؤسسات اللبنانية، بما فيها القضاء الذي بات كثيرون يُشككون في استقلاليته ونزاهته. وتأتي قضية المرفأ في قلب هذا الواقع: فاستمرار الإفلات من العقاب في أكبر جريمة يشهدها لبنان في تاريخه الحديث يُرسّخ قناعة المواطن بأن المحاسبة لا تطال الأقوياء في هذا البلد.
وحين يُجاهر وزير العدل بهذه المخاوف فإنه يعترف ضمنياً بخطورة الوضع ويُقرّ بأن الدولة أمام لحظة مفصلية: إما أن تُثبت من خلال المحاسبة أنها جديرة بثقة مواطنيها، وإما أن تدفع ثمناً باهظاً من رصيد ثقة لم يبقَ منه الكثير.
الجمهورية والقضاء: علاقة دقيقة
ويُثير تصريح نصار تساؤلاً قانونياً دقيقاً حول حدود تعليق السلطة التنفيذية على عمل القضاء. فمبدأ استقلالية القضاء يقتضي نظرياً ألا تُعلق الحكومة على المسارات القضائية أو تضغط عليها. غير أن الواقع اللبناني يُفرض معادلات مختلفة حيث لا يُمكن للسلطة التنفيذية أن تتجاهل ما يُشكّل قضية رأي عام استثنائية بهذا الحجم.
وقد اختار نصار صياغة تصريحه بطريقة تُعبّر عن الموقف السياسي والإنساني دون أن تُشكّل تدخلاً مباشراً في عمل القضاء، مُحيلاً المسؤولية إلى المؤسسة القضائية ذاتها لا إلى قاضٍ بعينه أو إجراء محدد.
وفي المحصلة، يُضيف تصريح وزير العدل عادل نصار صوتاً حكومياً وازناً إلى جوقة المطالبين بالعدالة في قضية المرفأ، في مشهد يُلمح إلى أن المناخ السياسي بات يُؤمّن غطاءً أوسع لاستكمال التحقيق وإصدار القرار الظني. والسؤال الذي يبقى معلقاً: هل تترجم هذه المواقف السياسية المُجاهِرة إلى خطوات قضائية فعلية تُنصف أرواح ضحايا الرابع من آب؟



