في قلب الضاحية - بيروت... شقة مخدرات!(صورة) صدر عن المديريّة العامّة لقوى الأمن الداخلي ـ شعبة العلاقات العامّة البلاغ الآتي:…
اخبار اقليميةنووي سعودي وحلف تركي ولبنان وسوريا في قلب العاصفة
نووي سعودي وحلف تركي ولبنان وسوريا في قلب العاصفة

نادراً ما شهد الشرق الأوسط في تاريخه الحديث هذا المستوى من تشابك الملفات وتداخل المصالح وتصادم المشاريع في آنٍ واحد، في مشهد يبدو فيه كل لاعب يُعيد حساباته ويُراجع تحالفاته ويُسارع إلى تأمين موقعه قبل أن تستقر معالم المرحلة الجديدة. ففي حين تسعى المملكة العربية السعودية إلى تحقيق حلمها النووي وتُطرق أبواب واشنطن طلباً لهذه القدرة الاستراتيجية، تُحكم تركيا شبكة علاقاتها مع دول المنطقة في مسعى لبناء حضور إقليمي متجدد، فيما يقف لبنان وسوريا في قلب هذا التجاذب الإقليمي الكبير حاملَين ثقل التحولات وعواقبها.
تابع HOSTNEWS على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
النووي السعودي: الملف الذي يُغيّر المعادلة
لم يعد خافياً على أحد أن المملكة العربية السعودية تسعى بجدية متصاعدة للحصول على قدرات نووية سلمية، في مسعى يتجاوز مجرد تنويع مصادر الطاقة ليطال البُعد الاستراتيجي والردعي في المعادلة الإقليمية. وتُجري الرياض مباحثات مع واشنطن حول ما يُعرف بـ”اتفاقية 123″ التي تُتيح للمملكة الحصول على تعاون نووي مدني أمريكي، غير أن الشرط الأمريكي المتعلق بالتخلي عن حق التخصيب وإعادة المعالجة يُشكّل عقبة جوهرية أمام إتمام الصفقة.
ويأتي هذا المسعى السعودي في سياق التحدي الإيراني المتصاعد، إذ لا تزال طهران تمضي قُدُماً في برنامجها النووي رغم كل الضغوط والعقوبات. وترى الرياض أن امتلاكها قدرة نووية مدنية متكاملة يُمثّل رادعاً استراتيجياً وورقةً ضغط في أي مفاوضات إقليمية مستقبلية، فضلاً عن أنها ستُمكّنها من تنويع مصادر طاقتها والحفاظ على صادراتها النفطية التي تُشكّل العمود الفقري لاقتصادها.
وتُدرك واشنطن أن رفض الطلب السعودي قد يدفع الرياض إلى الاستغناء عن الشريك الأمريكي لصالح الصين أو روسيا اللتين لا تفرضان شروطاً مماثلة، مما يجعل القرار الأمريكي في هذا الملف بالغ الحساسية من الناحيتين الاستراتيجية والاقتصادية.
تركيا: الحلف الذي يتمدد
وعلى الضفة الأخرى من المشهد الإقليمي، تُواصل تركيا بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان مساعيها لبناء منظومة علاقات إقليمية متجددة تستند إلى ثلاثة محاور: العلاقة المتجددة مع سوريا الجديدة، والانفتاح على دول المغرب العربي، والحضور المتصاعد في ملفات شرق المتوسط. وتُشير التقارير إلى أن أنقرة تسعى إلى صياغة حلف إقليمي غير رسمي يجمعها مع عدد من الدول العربية على أساس مبدأ “الأمن الإقليمي الجماعي” بعيداً عن الهيمنة الأمريكية أو الإيرانية.
وقد وجدت تركيا في سوريا الجديدة شريكاً استراتيجياً محتملاً، إذ تربط أنقرة ودمشق علاقة قائمة على التقاطع في مواجهة ملف الأكراد وفي رغبة مشتركة بإعادة رسم الخريطة الأمنية لشمال سوريا. وبات التنسيق التركي السوري في أعلى مستوياته منذ سنوات، في مؤشر على أن دمشق الجديدة ترى في أنقرة شريكاً لا غنى عنه في مرحلة إعادة البناء.
وعلى صعيد لبنان، يُبدي المسؤولون الأتراك اهتماماً متصاعداً بالملف اللبناني ينبثق من قناعة بأن لبنان يُشكّل نقطة تقاطع استراتيجية في منظومة العلاقات الإقليمية الجديدة. وتُجري أنقرة اتصالات مع أطراف لبنانية متعددة في مسعى لتوطيد حضورها في بلد دأب تاريخياً على أن يكون ساحة للتنافس الإقليمي لا طرفاً فيه.
لبنان: قلب التجاذب
ويقف لبنان في قلب كل هذه التحولات في موقع بالغ الحساسية يجعله في الوقت ذاته ضحيةً لهذه التجاذبات وفرصةً للدول الساعية إلى توسيع نفوذها. فمن جهة، تتنافس قوى إقليمية متعددة على كسب ودّه وتوجيه مساره: السعودية التي ترفع الحظر عن صادراته وتسعى إلى استعادة نفوذها في الساحة السنية اللبنانية، وتركيا التي تُبدي اهتمامها المتصاعد بالملف اللبناني، وسوريا الجديدة التي تسعى إلى علاقات مميزة معه، وإيران التي لا تزال تحتفظ بنفوذها عبر حزب الله رغم كل التحولات.
ومن جهة أخرى، يجد لبنان نفسه في موقع يُتيح له نظرياً توظيف هذا التنافس لصالحه واستخدامه ورقة ضغط لانتزاع مكاسب دبلوماسية وسياسية واقتصادية. وهذا بالضبط ما تحاول الحكومة اللبنانية فعله من خلال زيارة عون لواشنطن ومحادثات روما والانفتاح على دمشق الجديدة وقبول الدعوة السعودية لاستئناف الصادرات اللبنانية.
غير أن المأزق اللبناني الدائم يتجلى في أن هذه الفرصة النظرية كثيراً ما تتبخر أمام واقع الانقسامات الداخلية التي تجعل الدولة اللبنانية عاجزة عن صياغة موقف موحد يُمكّنها من التفاوض بفاعلية مع أي من هذه الأطراف.
سوريا: من الهامش إلى المركز
وتُشكّل سوريا المتحولة بعد سقوط نظام الأسد المتغيّر الأكثر تأثيراً في معادلة المنطقة الجديدة. فدمشق الجديدة التي سعت إلى فرنسا شريكاً أول وإلى المملكة العربية السعودية حليفاً اقتصادياً، باتت طرفاً فاعلاً في اللعبة الإقليمية لا مجرد ساحة للصراعات كما كانت في المراحل السابقة.
وتحاول دمشق توظيف موقعها الجغرافي الاستراتيجي بوصفها جسراً بين تركيا والخليج وبين لبنان والعراق، في مسعى لتحويل هذا الموقع من مصدر ضعف ووجهة للتدخلات الخارجية إلى رصيد استراتيجي يمنحها نفوذاً في التفاوض مع القوى الإقليمية والدولية.
في قلب العاصفة: من يكسب ومن يخسر؟
وفي قراءة هادئة لمشهد بهذا الحجم من التعقيد، تبرز خاسر واضح وهو الاستقرار الذي يبدو بعيد المنال في ظل تصادم المشاريع وتنافس النفوذ. أما الرابحون المحتملون فهم من يُحسنون توظيف هذا التنافس لصالح مصالحهم الوطنية: السعودية إذا نجحت في انتزاع القدرة النووية، وتركيا إذا أحكمت شبكة تحالفاتها، وسوريا إذا حوّلت موقعها إلى رصيد، ولبنان إذا استطاع أن يكون لاعباً لا ساحة.
وفي المحصلة، يدخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من إعادة رسم خريطة التوازنات، ولبنان وسوريا يقفان في قلب هذا التحول يحملان ثقل التاريخ وثقل الجغرافيا وثقل المرحلة في آنٍ واحد. والسؤال ليس من سيفوز في هذا التجاذب بل كيف ستُوظّفه الدول الصغيرة لصالح شعوبها لا لصالح اللاعبين الكبار.



