مذكرة بالإقفال في “عيد المقاومة والتحرير” اصدر رئيس الحكومة نجيب ميقاتي مذكرة قضت ب "اقفال المؤسسات العامة والبلديات والمدارس والجامعات…
أخبار محليةوحدة المحلقات الانقضاضية في المقاومة: كيف تعمل وما الذي يُربك جيش الاحتلال؟
وحدة المحلقات الانقضاضية في المقاومة: كيف تعمل وما الذي يُربك جيش الاحتلال؟

بات تهديد المحلقات الانقضاضية التي يوظّفها حزب الله في مواجهة قوات الاحتلال الإسرائيلي المتوغلة في الجنوب اللبناني، يُشكّل معضلةً حقيقية أمام الجيش الإسرائيلي على أكثر من صعيد، عسكري وتكنولوجي واستخباراتي في آنٍ واحد. وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن هذا السلاح النوعي لم يعد مجرد ورقة ضغط تكتيكية عابرة، بل أصبح أداةً منهجية مدروسة ومتطورة، تُحوّل ميزان الميدان لصالح المقاومة بصورة لافتة ومتصاعدة، وتفرض على العدو مراجعة شاملة لعقيدته القتالية في التعامل مع هذا النوع من الأسلحة.
تابع HOSTNEWS على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لماذا يعجز الجيش الإسرائيلي عن التصدي لها؟
تكمن خطورة هذه المحلقات في طبيعتها التقنية المركّبة التي تجمع بين عدة عناصر تُعطّل منظومات الدفاع الإسرائيلية المعتمدة. فهي تعتمد على الألياف الضوئية في التحكم والتسيير، مما يجعلها في مأمن تام من أجهزة التشويش الإلكتروني التقليدية التي صمّمها الجيش الإسرائيلي أصلاً لمواجهة المسيّرات المعادية. يُضاف إلى ذلك أن طبيعة المواد المصنّعة منها، وانخفاض ارتفاع تحليقها الشديد، وأسلوب حركتها الملتوي والمنخفض، تجعلها شبه غير قابلة للرصد المبكر أو التتبع بالرادار، فتصل إلى هدفها قبل أن يجد الجندي متسعاً من الوقت الكافي للتصرف أو الاحتماء.
وكشفت صحيفة “إسرائيل هيوم” العبرية أن جنود الاحتلال المنتشرين في الأراضي اللبنانية باتوا يلجأون إلى وسائل بدائية في مواجهة هذا التهديد المتطور، من بينها نشر شباك صيد يدوية ومرتجلة في محاولة لاعتراض المحلقات قبل انفجارها. وأكدت الصحيفة أن هذه الحلول الارتجالية تفتقر إلى الفاعلية الحقيقية، وأنها جاءت لتسد الفراغ الكبير الذي خلّفه إخفاق المؤسسة العسكرية في توفير الأنظمة الدفاعية المناسبة في الوقت المطلوب، وهو إخفاق يكشف عن خلل بنيوي في آليات اتخاذ القرار العسكري الإسرائيلي.
وثيقة الإنذار المبكر: تحذيرات أُهملت وثمن دُفع دماً
ما يزيد من حدة الأزمة الإسرائيلية ويُعمّق الإحراج المؤسسي، هو الكشف عن وثيقة رسمية صادرة عن شعبة العمليات في جيش الاحتلال، وُزّعت في أيار 2025، أي قبل نحو عام كامل من تصاعد هذه الهجمات وتكثّفها، وقد حملت تحذيرات مفصّلة من خطر المحلقات الانقضاضية المعتمدة على الألياف الضوئية، مستعرضةً نقاط الضعف القائمة، وضرورة تطوير منظومات دفاعية وهجومية مضادة على وجه السرعة.
أوضحت الوثيقة التي وزّعها رئيس شعبة العمليات اللواء عوديد بسيوق على القوات البرية وشعبة التخطيط وإدارة البحث والتطوير في وزارة الحرب، أن هذا النوع من الأسلحة دخل الاستخدام الميداني المنظّم في ساحة المعركة الأوكرانية منذ منتصف عام 2023، وأصبح معياراً عملياتياً راسخاً في مطلع عام 2024. وأشارت إلى أن نطاق تأثيره الفعلي يمتد بين 15 و20 كيلومتراً على امتداد خط التماس، ويطال كل نقاط التجمع، ومواقع توقف الآليات، والمقرات المؤقتة، وأي حركة مكشوفة تقع ضمن مدى الضربة.
وطالبت الوثيقة بتوفير أنظمة إطلاق نار ذاتية لحماية المقرات والأصول الحيوية، وأنظمة إطلاق سريع من الأسلحة الخفيفة والرشاشات، فضلاً عن بنادق صيد عيار 12 ملم مع ذخيرة مخصصة لاعتراض المسيّرات. كما شدّدت على ضرورة إدماج هذه الحلول مع تغييرات جوهرية في التأهيل والتدريب الميداني، ورفع مستوى الوعي لدى القوات تجاه هذا التهديد المتنامي.
غير أن الوثيقة بقيت حبراً على ورق، ولم تُترجم توصياتها إلى إجراءات فعلية على أرض الواقع، إذ لم تبدأ عمليات الشراء والتجهيز الفعلية إلا في الأسابيع الأخيرة، وذلك بعد أن دفع العشرات من الجنود ثمنها قتلى وجرحى. وقد وصف ضابط رفيع المستوى ردّ فعل المؤسسة الأمنية بأنه يشبه “النائم والمستيقظ المتأخر”، متهماً القيادة بإطلاق شعارات فارغة عوضاً عن بناء مفهوم متكامل وعملي لحماية القوات الميدانية، ومؤكداً أن فرق التفكير المشكّلة لمعالجة هذه المعضلة تسير “ببطء شديد” لا يتناسب أبداً مع الوتيرة الاحترافية السريعة التي يُبديها حزب الله في توظيف هذه التقنية وتطويرها.
آلية العمل: استطلاع دقيق وضربة مباغتة لا تُخطئ
على الجانب الآخر من الميدان، تكشف المعطيات أن المقاومة وضعت منهجية عمل متكاملة ومحكمة لهذا السلاح، تبدأ بعمليات استطلاع واسعة ودقيقة تضطلع بها وحدة متخصصة، تعمل على جمع معلومات تفصيلية عن انتشار قوات الاحتلال وأنواع آلياتها وطرق تحركها، ومواقع أجهزة الاستشعار والرادارات، إضافة إلى عمليات مسح ميداني مستمرة ترصد أماكن اختباء الجنود، خصوصاً في ظل تراجع حركة قوات الاحتلال بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الأخيرة.
وتجدر الإشارة إلى أن المحلقات لا تُستورد جاهزةً من الخارج كما يُشاع على نطاق واسع، بل تُصنَّع وتُركَّب داخل لبنان بصورة يدوية وسريعة، مما يُصعّب قطع سلسلة إمدادها أو استهداف مصادرها. فيما يخضع كل مشغّل لدورة تدريبية متخصصة تشمل التعريف الكامل بخصائص السلاح وآلية عمله، واختبارات عملانية مكثفة على القيادة والتوجيه الدقيق نحو الهدف.
وتعتمد المقاومة في نهاية المطاف على عنصر المفاجأة والدقة العالية في الإصابة معاً، وهو ما يُضيّق هامش النجاة أمام جنود الاحتلال إلى بضع ثوانٍ لا أكثر ولا أقل. وقد لجأ الجيش الإسرائيلي إلى شركات تقنية خارجية في محاولة يائسة للحد من هذه الفجوة، مع التركيز على تطوير منظومة إنذار مبكر قد تمنح الجنود ثوانٍ معدودة للاحتماء قبل وقوع الانفجار، وهو هامش يبقى ضيقاً جداً في مواجهة سلاح صامت يأتي من حيث لا يُرى ولا يُسمع.



