
هنا الجنوب، هنا البقاع: جدران المنازل تستحيل وطنًا./ نادين خزعل.
هنا الجنوب..
هنا لا توقيت يحدده عتم ليل أو ضوء نهار، فللعدو تعداد بلا زمان أو مكان…
يوم أمس، استكمل العدو اعتداءاته : أنذر عبر الخرائط، آلة القتل ليست على الورق، الجبروت يغتال جدران البيوت وذاكرة الناس.
إشعارات باردة تشبه القهوة التي مسها الصقيع قبل أن تدفئها شفاه القاطنين، خرائط تحدد منازل بعينها، تحيل البيوت أرقامًا، تجعل من ساكنيها تفاصيل زائدة يمكن شطبها بضغطة زر.
خرائط الإنذار وجه آخر أكثر إجرامًا للإجرام رغم المحاولة الوقحة لتجميل الجريمة بتقنية، وتغليف العدوان بلغة «تحذير» لا تُنقذ روحاً ولا تُخفف خوفاً.
هنا البقاع..
في لحظة واحدة، لم يعد البيت مأوى للأمان، استحال سؤالًا مفتوحًا على ألف سؤال والجواب: يا رب….اللهم خذ حتى ترضى..
خرج الأهالي مسرعين، يحملون أبناءهم، وبعض الذكريات، وقلوباً لم تجد وقتاً لتوديع المكان.
فرض الخوف… دب الذعر، الطبيعة البشرية بوجه الطبيعة الهمجية…
العدو يعرف ذلك، ويقصده، لأنه يدرك أن ضرب الحياة لا يكون دائماً بالقنابل، بل بكسر الطمأنينة، وبزرع الرعب في تفاصيل الحياة اليومية ..
وما بين الاعتداء والانتظار، يقف الصمت الدولي شريكاً كاملاً في القتل. صمتٌ لا يقل فتكاً عن الصواريخ، صمت يمنح العدو غطاءً إضافياً، ويجعل الجريمة خبرًا إعلاميًّا عاديًّا…
الصمت هنا هو تواطؤ..حين تُنتهك البيوت وتُرسم خرائط الموت ولا يُحاسَب المعتدي…
العدالة شعار فارغ، الوطن لا يُقصف، بل يُستباح أيضاً بفعل هذا الصمت الذي يشرعن العدوان ويُطيل أمده.
لكن الجنوب كما البقاع كما الضاحية الجنوبية، في اليوم التالي، يستيقظون كما يفعلون دائماً.
كأن بيتاً لم يكن.
كأن خوفاً لم يكن.
الشوارع عادت تعرف خطوات أهلها، الأبواب فُتحت، ورائحة القهوة سبقت الأخبار.
منازل غابت من المشهد، لكن الحياة لم تغب.
تعريف جديد للصمود: كم بقي من جدران؟ كلا… كيف سنكون أقوى؟ نعم….
ولمن ينسى أو يتناسى، الجنوب والبقاع لم ولن يكونا هامشاً جغرافياً أو ساحة معزولة..
هما خط الأمان الأول، وبدونه لا أمن ولا أمان..
و لمن يظن أن النار ستبقى هناك، بعيداً، واهم. فالجنوب حين يُستهدف، يُستهدف معه الاستقرار الوطني كله، والبقاع حين يستهدف، تستهدف معه فكرة الوطن بكليتها….





