
عندما تتحول وزارة التربية إلى مكتب انتخابي لا يراعي التوزيع المذهبي
تقرير خديجة البزال رئيسة تحرير موقع بوابة بعلبك الاخباري
تحقيق صحافي في تعيينات «بالقطعة» وأسئلة محرّمة داخل الإدارة التربوية
ليس خافياً على العاملين في الشأن التربوي أن وزارة التربية والتعليم العالي تمرّ اليوم في واحدة من أكثر مراحلها ارتباكاً وتسييساً، حيث تتقاطع القرارات الإدارية مع حسابات انتخابية ضيّقة، وتُدار المواقع الحساسة بمنطق الانتقاء لا بمنطق الدولة.
هذا التحقيق لا يستند إلى انطباعات أو شائعات، بل إلى الهيكلية الرسمية للوزارة، والأرقام، والوقائع الثابتة في ملف التعيينات، ويطرح أسئلة مشروعة يهمس بها الموظفون علناً ويخشى كثيرون تدوينها.
أولاً: وزارة بحجم دولة… تُدار بالتكليف
تتألف وزارة التربية والتعليم العالي رسمياً من:
المديرية العامة للتربية
مديرية التعليم العالي
مديرية التعليم المهني والتقني
وتخضع لوصايتها:
الجامعة اللبنانية
المركز التربوي للبحوث والإنماء
الإدارة المشتركة
ورغم هذا الحجم الإداري الهائل، فإن الوزارة تُدار اليوم عملياً بمنطق الفراغ المقنّع، حيث تتحوّل المواقع الأساسية إلى مواقع موقتة، ويصبح “التكليف” قاعدة لا استثناء.
ثانياً: المديرية العامة للتربية… قلب الإدارة المشلول
المديرية العامة للتربية، وهي العمود الفقري للإدارة التربوية الرسمية، تضم الوحدات التالية:
المناطق التربوية الثماني:
النبطية، الجنوب، جبل لبنان، بيروت، الشمال، عكار، البقاع، بعلبك – الهرمل
التعليم الثانوي الرسمي
التعليم الابتدائي الرسمي
مصلحة التعليم الخاص
دائرة الامتحانات الرسمية
لجنة المعادلات ما قبل الجامعي
المصلحة الثقافية
الإرشاد والتوجيه (من خارج الهيكلية)
ورغم وضوح هذه البنية، فإن إدارة هذه الوحدات تكشف خللاً بنيوياً خطيراً.
ثالثاً: أرقام لا تكذب… الأصيل يتيم
المناطق التربوية الثماني:
أصيل واحد فقط: رئيس المنطقة التربوية في البقاع.
سبع مناطق تُدار بالتكليف.
المنطقة التربوية في عكار لم تُفعّل رغم صدور قرارها، في سابقة إدارية فاضحة.
الوحدات المركزية:
التعيين بالأصالة محصور بثلاثة مراكز:
رئيس مصلحة التعليم الخاص
مدير التعليم الابتدائي
رئيس المصلحة الثقافية
كل ما تبقّى: تكليف، تمديد، أو إدارة بالأمر الواقع.
رابعاً: عهد كرامي… تعيين واحد وعشرة فراغات
في عهد الوزيرة الحالية، صدر مرسوم تعيين واحد فقط بالأصالة:
مدير التعليم الابتدائي.
في المقابل:
عشرة مراكز من الفئة الثانية تُركت شاغرة أو بالتكليف.
لا خطة معلنة.
لا جدول زمني.
لا تفسير رسمي.
وهنا تبدأ الأسئلة التي يرفض أهل القرار الإجابة عنها.
خامساً: الأسئلة التي لا تريد الوزارة سماعها
لماذا هذا الإصرار على تعيين مركز واحد فقط؟
ما معيار الانتقاء؟
هل المصادفة وحدها جعلت المعيّن ابن منطقة الشمال ومن الروم ارثودكس وتعويمه على المدير العام الماروني بعد تهميشه؟
هل نحن أمام تعيين ذي خلفية انتخابية لتعويم طائفة معيّنة في الشمال؟
هل يُعاد رسم التوازن داخل المديرية العامة على حساب المدير العام الماروني الأصيل؟
لماذا جرى تهميش هذا الموقع المركزي عملياً؟
كيف يُدار هرم إداري عبر موظفين من الفئة الثالثة في تجاوز صارخ للتسلسل الوظيفي؟
ما حقيقة ما يُتداول عن صفقة انتخابية شمالية لعب فيها شقيق الوزيرة دوراً محورياً؟
ولماذا تنعكس الذهنية نفسها على المجالس التحكيمية، حيث تكشف الأسماء وحدها طبيعة الترتيبات؟
هذه الأسئلة ليست اتهامات، لكنها أيضاً ليست بريئة.
سادساً: من الإدارة إلى الماكينة الانتخابية
الخطير في هذا المسار، أن وزارة التربية، التي يفترض أن تكون الضامن للتوازن الوطني، تتحول تدريجياً إلى مساحة اختبار للتوظيف الانتخابي:
تكليف بدل تعيين.
انتقاء بدل معايير.
تهميش بدل شراكة.
صمت رسمي بدل الشفافية.
وكل ذلك تحت غطاء “الظروف” و”المرحلة”، فيما الحقيقة أن المرحلة هي مرحلة إدارة سياسية مقنّعة.
خاتمة: التربية رهينة… فمن يحررها؟
هذا التحقيق لا يدين، لكنه يكشف.
ولا يوزّع اتهامات، لكنه يضع الوقائع أمام الرأي العام.
فإما أن تكون وزارة التربية إدارة عامة تُدار بالقانون والتوازن والكفاءة،
وإما أن يُقال للبنانيين بوضوح إن التربية أُدخلت في بازار السياسة والانتخابات.
ويبقى السؤال الأخطر: من يملك الجرأة ليوقف تحويل التربية إلى ورقة انتخابية؟
ومن يحاسب، قبل أن ينهار ما تبقّى من الثقة؟





