الوزيرة ريما كرامي ترد على بيان الوزير عباس الحلبي. أصدر المكتب الإعلامي لوزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي البيان…
مقالاتخطة ريما كرامي للإمتحانات تشبه بفشلها عملية “ليستون” الجراحية
خطة ريما كرامي للإمتحانات تشبه بفشلها عملية “ليستون” الجراحية
كتب التربوي علاء حنظل ناصر الدين
١٤ ايار ٢٠٢٦
تابع HOSTNEWS على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
حين تتحوّل وزارة التربية إلى فرعٍ للإسعاف النفسي الجماعي
في التاريخ الطبي، ارتكب الجرّاح البريطاني الشهير Robert Liston عملية بتر تحوّلت إلى نكتة سوداء تُدرّس حتى اليوم.
الرجل كان يتباهى بسرعته الخارقة في إجراء العمليات، حتى أنه بتر ساق مريض خلال ثوانٍ… ومعها أصابع مساعده بالخطأ، فأُصيب الاثنان بالعدوى وماتا لاحقاً، بينما سقط أحد الحاضرين ميتاً من هول المشهد.
وهكذا دخلت العملية التاريخ كأول عملية جراحية بنسبة وفيات بلغت 300%.
لكن يبدو أن وزيرة التربية في لبنان قررت أخيراً تحطيم الرقم القياسي لليستون، عبر تحويل الإمتحانات الرسمية إلى تجربة وطنية مفتوحة بين الرعب والكوميديا السوداء والإنكار الرسمي.
فالوزيرة ريما كرامي تتصرف وكأنها وزيرة تربية في دولة اسكندنافية هادئة، لا في بلد نصف جنوبه تحت النار، والضاحية الجنوبية خارجة من حرب ودمار وما زالت بنزوح، ومئات المدارس تحوّلت إلى مراكز إيواء في المناطق الآمنة وآلاف الطلاب لا يعرفون أصلاً أين كتبهم ولا أين غرف نومهم ولا حتى أين استقرّت عائلاتهم.
لكن رغم ذلك، تصرّ الوزارة على إقامة الإمتحانات الرسمية، وكأن المطلوب من الطالب اللبناني ألا ينجح فقط بالرياضيات والكيمياء، بل أن ينجو أيضاً من القصف، والانهيار النفسي، والتهجير، وانقطاع الإنترنت والكهرباء، ثم يصل إلى مركز الإمتحان حاملاً بطاقة ترشيحه وكأنه ذاهب إلى نزهة مدرسية في سويسرا.
أي عبقرية هذه؟
في دول العالم، حين تقع كارثة، تُخفَّف المناهج، تُؤجَّل الإمتحانات، تُراعى الظروف النفسية.
أما عندنا، فالمطلوب من الطالب أن يراجع الفيزياء على ضوء الشمعة، ويحفظ الفلسفة داخل مركز إيواء، ويقدّم الإمتحان الرسمي فيما الطائرات المسيّرة تمرّ فوق رأسه كأنها فقرة سمعية في امتحان اللغة الأجنبية.
والأجمل أن الوزارة تتحدث عن “العدالة بين الطلاب”.
أي عدالة بالضبط؟
طالب في منطقة آمنة يدرس بهدوء، وطالب آخر خرج من منزله تحت الركام، وثالث لا يزال ينام في صفّ مدرسي مع عائلته، ثم تأتون لتقولوا لهم:
“فلنتنافس بشرف.”
هذا ليس تكافؤ فرص، هذا برنامج مسابقات بعنوان:
“من ينجو أولاً… ينجح أولاً.”
حتى فرنسا، بكل مؤسساتها وخبراتها، أدركت أن الوضع في لبنان غير طبيعي، فتم إلغاء امتحانات البكالوريا الفرنسية ووإلغيت البكالوريا الدولية في لبنان مراعاةً للظروف.
أما عندنا، فالوزارة تتصرّف بعقلية موظف أرشيف يخاف أن يتأخر ختم المعاملة.
الأسوأ أن المسؤولين يتحدثون عن “هيبة الدولة”.
يا جماعة، هيبة الدولة لا تُبنى فوق أعصاب الطلاب المدمّرة.
هيبة الدولة تكون بحماية المدارس، لا بإجبار الطلاب على تقديم امتحانات داخل بلد مفتوح على الاحتمالات الأمنية والنفسية والإنسانية.
ثم من قال إن الطالب اللبناني آلة؟
هذا الجيل عاش انهياراً مالياً، ثم كورونا، ثم انفجار مرفأ، ثم حرباً ونزوحاً ودماراً، والسلطة ما زالت تتعامل معه كأنه روبوت يعمل على بطارية صينية رخيصة:
“اشتغل… ولو احترقت.”
وزارة التربية اليوم لا تدير امتحانات، بل تدير تجربة ضغط نفسي جماعي، والنتيجة المتوقعة ليست نسب نجاح ورسوب، بل دفعة جديدة من القلق والانهيار والتفاوت والظلم.
ولو كان روبرت ليستون حيّاً اليوم، لوقف احتراماً أمام هذه الخطة العبقرية، واعترف أخيراً أن هناك من استطاع تجاوز إنجازه التاريخي.



