× الرئيسية لبنان العالم اقتصاد رياضة أخبار تربوية صحف الأبراج الطقس تكنولوجيا أخبار إقليمية نشاطات مقالات خاص HOSTNEWS أمن وقضاء من نحن
الأربعاء، 20 مايو 2026 | بيروت
f X tg ig
عاجل
حين يمرض الاقتصاد.. لا تسلم الصحة اخبار اقتصادية

حين يمرض الاقتصاد.. لا تسلم الصحة

2026-05-19 22:27 وفاء ابو الحسن
وفاء ابو الحسن
رئيس التحرير وفاء ابو الحسن

تشرف على إدارة العمل التحريري للموقع، وتعمل على تقديم محتوى موثوق وتحليلات متعمّقة للأحداث السياسية في المنطقة.

2026-05-19 4511 مقالات
كل المقالات

كتبت رماح هاشم في “نداء الوطن”:

تابع HOSTNEWS على تيليغرام

احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.

في لبنان، لم تعد الأزمة الاقتصادية تُقاس فقط بارتفاع سعر صرف الدولار أو بتراجع القدرة الشرائية، بل باتت تنعكس مباشرة على تفاصيل الحياة اليومية للبنانيين، الذين وجدوا أنفسهم مضطرين للتخلي تدريجيًا عن كثير من الأمور التي كانت تُعتبر في السابق جزءًا طبيعيًا من نمط العيش. بين الرواتب المحدودة والارتفاع المتواصل في أسعار السلع والخدمات، تغيّرت الأولويات، وتحوّلت بعض الضروريات إلى “كماليات” في زمن الفقر.

التحوّل في حياة اللبناني لم يعد يقتصر على السفر أو شراء الماركات أو ارتياد المطاعم الفاخرة، بل طال أمورًا كانت حتى وقت قريب تُعد أساسية اجتماعيًا وصحيًا ونفسيًا، مثل الزيارات العائلية، المناسبات الاجتماعية، متابعة الفحوصات الطبية الدورية، وحتى بعض الأنشطة البسيطة التي تمنح الأفراد متنفسًا من ضغوط الحياة.

تقليص الزيارات الاجتماعية

في مجتمع لطالما عُرف بروابطه الاجتماعية القوية، بدأت الزيارات العائلية تتراجع بشكل واضح. كلفة التنقل وحدها أصبحت عبئًا على كثير من الأسر، خصوصًا مع ارتفاع أسعار المحروقات. كثيرون باتوا يعتذرون عن حضور المناسبات أو تقليل الزيارات إلى الحد الأدنى، ليس بسبب ضعف العلاقات، بل نتيجة العجز عن تحمّل التكاليف المرتبطة بالتنقل أو حتى شراء هدية رمزية.

وتقول إحدى السيدات: “إن العائلة كانت تجتمع أسبوعيًا تقريبًا، لكن الظروف الاقتصادية فرضت واقعًا جديدًا”، مضيفة: “حتى الزيارات أصبحت تحتاج إلى حسابات، من البنزين إلى الضيافة، وكل شيء أصبح مكلفًا”.

أما المناسبات الاجتماعية، فقد تبدلت ملامحها بشكل كبير. حفلات أعياد الميلاد باتت أكثر بساطة، والأعراس تقلّصت بشكل ملحوظ، فيما تراجعت الدعوات إلى المطاعم والمقاهي، بعدما أصبحت الفاتورة تتجاوز قدرة الكثير من العائلات.

الطبابة عبء مؤجل!

لعلّ من أخطر مظاهر الأزمة الاقتصادية تراجع القدرة على الاهتمام بالصحة. كثير من اللبنانيين باتوا يؤجلون زيارة الطبيب أو إجراء الفحوصات الطبية بسبب ارتفاع الكلفة، خصوصًا في ظل غياب أي تغطية صحية فعلية لدى شريحة واسعة منهم.

يقول مواطن لا يمتلك تأمينًا صحيًا: “إنه لم يعد يزور الطبيب إلا عند الضرورة القصوى، موضحًا أن “المعاينة وحدها أصبحت مكلفة، ناهيك عن أسعار الأدوية والفحوصات”. فيما تشير سيدة أخرى إلى أنها “ألغت متابعة دورية كانت تقوم بها منذ سنوات بسبب عدم قدرتها على تحمّل المصاريف الطبية”.

من بين التحولات التي فرضتها الأزمة الاقتصادية، برزت ظاهرة لجوء عدد كبير من اللبنانيين إلى استشارة الصيدلي بدلًا من زيارة الطبيب، في محاولة لتخفيف الأعباء المالية المرتفعة المرتبطة بالمعاينات الطبية. بالنسبة لكثير من العائلات، أصبحت كلفة المعاينة وحدها تحتاج إلى “ميزانية” خاصة، خصوصًا عند إضافة ثمن الفحوصات والأدوية إليها.

يشير عدد من الصيادلة إلى أن المواطنين باتوا يقصدون الصيدلية أولًا لشرح أعراضهم وطلب دواء مباشر، بدل التوجه إلى العيادات الطبية كما كان يحصل سابقًا. البعض يطلب مسكنات أو أدوية للالتهابات والحساسية وحتى مشاكل المعدة والضغط، اعتمادًا على وصفات قديمة أو على نصائح محيطهم، في ظل صعوبة تحمّل تكاليف الكشف الطبي.

يقول موظف راتبه متواضع إن “زيارة الطبيب أصبحت خيارًا مؤجلًا إلا في الحالات الطارئة”، موضحًا أن “المعاينة قد توازي أحيانًا جزءًا كبيرًا من الراتب، لذلك نحاول قدر الإمكان الاكتفاء باستشارة الصيدلي”.

ورغم أن الصيادلة يؤدون دورًا مهمًا في الإرشاد الصحي الأولي، إلا أن مختصين يحذرون من خطورة الاعتماد الكامل على التشخيص غير الطبي، لما قد يسببه ذلك من تأخير في اكتشاف بعض الأمراض أو مضاعفة المشكلات الصحية نتيجة الاستخدام العشوائي للأدوية.

حتى طب الأسنان، الذي كان جزءًا من الرعاية الصحية الدورية، بات بالنسبة إلى كثيرين مؤجلًا بسبب تفاقم المشكلة. كما أن بعض المرضى أصبحوا يعتمدون على المسكنات بدل المتابعة الطبية المنتظمة، ما يثير مخاوف من انعكاسات صحية خطيرة على المدى الطويل.

الاقتصاد يتأثر أيضًا

هذا التحول في سلوك المستهلك لا ينعكس فقط على الحياة الاجتماعية، بل يطال الاقتصاد اللبناني ككل. فتراجع الإنفاق الاستهلاكي يؤدي إلى انكماش في حركة الأسواق، ما ينعكس سلبًا على المؤسسات التجارية وفرص العمل والإنتاج المحلي.

ويرى خبراء اقتصاديون أن الأزمة لم تعد أزمة مالية فحسب، بل أزمة نمط حياة أيضًا، حيث انتقل اللبناني من مرحلة البحث عن الرفاهية إلى مرحلة البحث عن الاستقرار وتأمين الاحتياجات الأساسية فقط.

حياة تتغير

اليوم، يعيش اللبناني معادلة يومية صعبة، يحاول فيها الموازنة بين الدخل المحدود والمتطلبات التي لا تتوقف عن الارتفاع. وبين فاتورة الكهرباء والمحروقات والطبابة والغذاء، تتراجع تدريجيًا مساحة الأمور التي كانت تمنح الناس بعض الراحة أو الفرح أو التواصل الاجتماعي.