في لحظات التحوّل الكبرى ، لا يُسأل المقاوم : لماذا تُدافع؟ كتب د أرز مدحت زعيتر في زمنٍ تختلط فيه…
مقالاتفي الحُروب، لا يَسأَلُ النّاسُ: «مَن مات؟» بَل: «مَن أُمُّه؟».
في الحُروب، لا يَسأَلُ النّاسُ: «مَن مات؟» بَل: «مَن أُمُّه؟».
في الحروب، الأمهات لا ينتظرن الحقيقة، بل ينتظرن نفيها. يكفي أن يتأخر ابنها عن الرد قليلًا حتى تبدأ بالمشي داخل البيت كأنّها تهرب من فكرة تكبر داخل رأسها. وأحيانًا، تكفي رنّة هاتف بعد منتصف الليل لتحوّل حالة الطمأنينة الهشّة إلى خوف عميق يسكن قلبها ويربك كيانها. رأيت أمهات يقلن بصوت مكسور: «دخيلَك يا إمّي ردّ»، وكأنّ الأم في لحظات الخوف تعود طفلة أيضًا، تتوسّل الحياة ألّا تأخذ ابنها. ورأيت أمًّا تصرخ: «قولوا إنّه مجروح بس»، كأنّ الجسد البشري يقبل أيّ كارثة… إلّا كارثة النهاية.
تابع HOSTNEWS على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
يُعاد تكرار جمل مثل: «الله يقوّي أمهات الشهداء»، و«هنيئًا لها»، و«أم الشهيد أم الجميع» بكثرة غريبة، حتى يكاد الموت يبدو وكأنّه جزء مألوف من حياتنا اليومية في الجنوب. لكن الحقيقة أنّ أحدًا لا يعرف ماذا يحدث داخل الأم حين يبدأ الخبر بالاقتراب من بيتها. لأنّ خبر الاستشهاد لا يدخل مرّة واحدة، بل يدخل ببطء مرعب؛ سيارة تتوقف أمام البيت، شبّان ينزلون بوجوه مرتبكة، هواتف ترنّ في وقت غير طبيعي، وأم تبدأ بالتحديق في الوجوه كأنّها تحاول أن تسرق الحقيقة من عيونهم قبل أن ينطقوا بها.
في النبطية، وفي بنت جبيل، وفي عيترون والخيام ومارون الراس، صار الناس يعرفون شكل الخبر قبل أن يصل. يكفي أن ترى أمّ ثلاثة شبّان واقفين أمام بابها حتى ينهار شيء داخلها. سمعت عن أم بقيت ترفض فتح الباب وهي تصرخ: «أكيد غلطانين بالاسم». وأخرى بقيت ساعات تردّد: «بس جيبولّي ياه… حي أو ميت». لأنّ الحرب بعد فترة لا تعود تسرق الناس فقط، بل تسرق حتى حق العائلة بأن تودّع بشكل طبيعي.
وفي الجنوب أيضًا، كثرت الحكايات التي لا يحتملها عقل أصلًا. أم جريحة في بنت جبيل جلست أمام جثامين زوجها وأطفالها تحاول لمس وجوههم كأنّها لا تصدّق أنّ البيت الذي كان فيه ضحك قبل ساعات صار مليئًا بالأكفان. وأم أخرى عادت إلى قريتها الحدودية تصرخ أمام الدبابات: «اقتلني… جايي فتّش ع ابني الشهيد»، ثم استشهدت هي أيضًا بعده. ورجل من أنصار ظلّ يرفع الركام بيديه ساعات، لأنّ لا جرافات ولا معدات وصلت، وحين وجد جزءًا من جسد ابنه قال: «الحمد لله لقيت شي منّه». لا أعرف كيف يستطيع قلب بشري أن يُكمل الحياة بعد جملة كهذه.
والأقسى ربما ليس الموت نفسه، بل الانتظار. انتظار أن يخرج أحد حيًّا من تحت الركام. انتظار اتصال من شخص هاتفه ما زال يرنّ تحت الأنقاض منذ يومين. انتظار جثمان لم يُعثر عليه بعد. أعرف عائلات في الجنوب بقيت أيّامًا تبحث بين المستشفيات والصور والفيديوهات وأسماء الشهداء، فقط لتتأكد إن كان ابنها بينهم أم لا. الحرب تجعل الإنسان يصل إلى مرحلة مرعبة: لا يعود يريد النجاة الكاملة، بل فقط اليقين. «بس بدّي أعرف»… هذه الجملة وحدها تختصر تعب أهل الجنوب كلّه.
والمخيف أكثر أنّ الحرب غيّرتنا نحن أيضًا. من كثرة الموت، صرنا نفكر بطريقة لا تشبهنا. أول ما يخطر في بالنا حين نسمع أنّ شابًّا استشهد: «كان وحيد أمّه؟ عنده إخوة؟». وكأنّنا نحاول بصمت أن نخفف حجم الكارثة، مع أنّ الإنسان لا يُعوَّض أصلًا. وهذه أكثر فكرة أخافتني في الحرب: أنّها لا تغيّر الحياة فقط، بل تغيّر حتى طريقة تفكيرنا بالموت نفسه.
ثم يخرج بعضهم ليقولوا: «الوقت يشفي». أيّ وقت هذا الذي يستطيع أن يعيد أمًّا إلى نفسها بعد أن يصبح ابنها صورة وصوتًا وآخر ظهور على الواتساب؟ الحقيقة أنّ الشهيد يموت مرّة واحدة، لكن أمّه تبقى تموت منه كل يوم. تموت حين تسمع صوت موتسيكل يتوقف ليلًا، حين ترى شابًّا يشبهه من بعيد، حين يطرق أحد الباب بطريقة جدّية، أو حين تستيقظ نصف الليل وتمد يدها تلقائيًّا نحو الهاتف، كأنّها لا تزال تحاول حراسته عبر الشبكة.
وربّما لهذا السبب ، صِرنا نَفهَمُ أَنَّ الحَربَ لا تَقتُلُ الشُّهداء فَقط… بَل تَترُكُ أُمَّهاتِهِم أَحياءً كَي يَحمِلْنَ المَوتَ عَنهُم بَقيّةَ العُمر.



