نتائج الامتحانات الرسمية للعام 2025 نتائج-الامتحانات-الرسمية-2025تنزيل
مقالاتالامتحانات الرسمية: عدالة أم عمالة؟ / نادين خزعل
الامتحانات الرسمية: عدالة أم عمالة؟ / نادين خزعل
المصدر: غلوبال نيوز.
تابع HOSTNEWS على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
تسبق الامتحانات الرسمية في أي دولة مستقرة أشهرٌ طويلة من التحضير النفسي والتربوي والمعرفي، وتُبنى على مسار تعليمي طبيعي ومتدرج يضمن الحد الأدنى من العدالة بين الطلاب. أما في لبنان اليوم، فإن النقاش الدائر حول إجراء الامتحانات الرسمية لا يمكن عزله عن الواقع الاستثنائي الذي عاشه الطلاب خلال الأشهر الماضية تحت وطأة العدوان الإسرائيلي المستمر والخروقات اليومية التي لم تتوقف رغم إعلان وقف إطلاق النار.
فالمشكلة ليست في أسبوعين إضافيين من الدراسة، ولا في بضعة أيام يمكن منحها للطلاب قبل موعد الامتحانات، بل في تراكمات ثقيلة امتدت على أشهر أنتجت فاقدًا تعليميًا ونفسيًا واجتماعيًا لا يمكن تجاهله أو القفز فوقه بقرار إداري. لقد عاش آلاف الطلاب تجربة النزوح القسري، وانتقلوا من مدارسهم وبيوتهم إلى مناطق أخرى، وفقد بعضهم أفرادًا من عائلاتهم أو أصدقاءهم أو معلميهم. كما خسر كثيرون منازلهم وممتلكاتهم، وشهدوا بأعينهم مشاهد الحرب والدمار والخوف والقلق المستمر.
إن التحصيل العلمي لا ينفصل عن الاستقرار النفسي والاجتماعي. فالطالب الذي أمضى أشهرًا بين النزوح والخوف من الغارات ومتابعة أخبار الشهداء والدمار ليس كمن عاش عامًا دراسيًا طبيعيًا. وحتى بعد وقف إطلاق النار الهش، لم يعد الواقع إلى طبيعته. فالجنوب ما زال يرزح تحت آثار العدوان، والخروقات الإسرائيلية مستمرة، والطيران المسير المعادي لا يكاد يفارق الأجواء والعديد من العائلات لم تتمكن من العودة إلى منازلها بسبب الدمار الهائل الذي أصاب القرى والبلدات. وهناك طلاب سيضطرون إلى متابعة حياتهم في مناطق بعيدة عن بيوتهم ومدارسهم الأصلية، ما يضيف أعباءً نفسية ولوجستية جديدة إلى معاناتهم.
ومن هنا، فإن اختزال الأزمة في ضرورة إجراء الامتحانات حفاظًا على “هيبة الشهادة الرسمية” يتجاهل جوهر العملية التربوية القائمة على العدالة وتكافؤ الفرص. فالعدالة لا تتحقق عندما يُطلب من جميع الطلاب خوض الامتحان نفسه رغم اختلاف الظروف بصورة جذرية، دون أن تؤخذ بعين الاعتبار أوضاعهم الاستثنائية ويُصار إلى اعتماد حلول تراعي مصلحتهم ومستقبلهم.
إن خيار منح الإفادات هذا العام أصبح أقرب إلى مفهوم العدالة التربوية في ظل الظروف القاهرة التي مر بها الطلاب. فالإصرار على إجراء الامتحانات وكأن شيئًا لم يكن لا يعكس حرصًا على التعليم بقدر ما يعكس تجاهلًا للواقع الذي يعيشه آلاف المتعلمين وأسرهم.
وفي المقابل، يمكن اعتماد حل وسطي ومتوازن يحفظ حقوق الجميع، وذلك من خلال إلغاء الامتحانات الرسمية العامة ومنح الإفادات للطلاب، مع الإبقاء على دورة واحدة اختيارية للطلاب الذين يحتاجون إلى الشهادة الرسمية لأسباب أكاديمية محددة، كالحصول على منح جامعية داخلية أو خارجية، أو للالتحاق بجامعات خارج لبنان لا تعترف بالإفادات المدرسية. وبهذه الطريقة تُصان حقوق هذه الفئة من الطلاب دون فرض الامتحانات على الجميع في ظروف تفتقد إلى الحد الأدنى من العدالة.
إن القضية اليوم هي أبعد من قضية نجاح ورسوب، وتفوق أو مراتب، فهي قضية جيل كامل دفع ثمن الحروب والاعتداءات والتهجير والخسارات المتراكمة. وأمام هذا الواقع، فإن المعيار الحقيقي لأي قرار تربوي يجب أن يكون حماية الطلاب وإنصافهم، لا تحميلهم أعباءً إضافية فوق ما حملته لهم الحرب من أوجاع ومعاناة.
التربية وجدت لخدمة الإنسان، لا لتحويل الإنسان إلى ضحية جديدة للظروف الاستثنائية التي تعصف بالوطن.
ومن هنا، تصبح المقاربة التربوية عدالة، بينما المقاربة الشعبوية عمالة.



