ترامب بين منع إيران من التسلّح النووي وتجنّب الحرب في تطور لافت على الساحة الدولية، كشفت صحيفة واشنطن بوست أن…
اخبار اقتصاديةالحرب الاقتصادية بين أمريكا وكندا: من يدفع الثمن؟
الحرب الاقتصادية بين أمريكا وكندا: من يدفع الثمن؟

في مشهد لم يألفه العالم منذ عقود، تجد الولايات المتحدة الأمريكية وكندا نفسيهما في قلب حرب اقتصادية حادة تُهدد بتفكيك واحدة من أمتن شراكات التجارة الحرة في تاريخ العلاقات الدولية. فالبلدان اللذان تربطهما حدود برية تمتد على أكثر من ثمانية آلاف كيلومتر، وتجارة سنوية تتجاوز تسعمائة مليار دولار، وتاريخ مشترك من التحالف والتعاون، باتا اليوم يتبادلان الرسوم الجمركية والتهديدات الاقتصادية في مشهد يُقلق المستثمرين والمحللين والمواطنين على حدٍّ سواء.
تابع HOSTNEWS على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
جذور الأزمة ومحفزاتها
لم تكن هذه الفجوة الاقتصادية وليدة اللحظة، بل جاءت تتويجاً لسلسلة من التوترات السياسية والتغيرات الاستراتيجية في النهج الاقتصادي الأمريكي، القائم على حماية الأسواق المحلية وشعار “أamerica أولاً”. وتركزت نقاط الخلاف الأساسية حول عدة ملفات حيوية:
- الرسوم الجمركية الحمائية: فرض قيود ورسوم جمركية عالية على واردات الصلب والألومنيوم والأخشاب، والتي تُعد من ركائز الصادرات الكندية للأسواق الأمريكية.
- قطاع السيارات وسلاسل الإمداد: محاولات تعديل قواعد المنشأ وإعادة تشكيل سلاسل التوريد الخاصة بقطاع السيارات المتكامل تاريخياً بين البلدين.
- السيادة التكنولوجية والضرائب الرقمية: نزاعات حول فرض كندا لضرائب على شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة، مقابل تهديدات أمريكية بإجراءات انتقامية.
- القطاع الزراعي والألبان: الخلافات المستمرة حول حماية كندا لقطاع الألبان المحلي والمطالبات الأمريكية بفتح الأسواق الكندية أمام منتجاتها.
الأثر المباشر على الاقتصاد والمستهلك
تتعدى تأثيرات هذه الحرب الاقتصادية الأروقة السياسية لتنعكس مباشرة على الحياة اليومية للمواطنين في كلا البلدين. فالدمج الوثيق بين الاقتصادين يجعل أي حاجز تجاري بمثابة ضربة مزدوجة للطرفين:
1. ارتفاع معدلات التضخم وزيادة الأسعار
تؤدي الرسوم الجمركية المتبادلة إلى ارتفاع تكلفة المواد الخام والمنتجات النهائية، مما يدفع الشركات إلى تحميل هذه الزيادات على كاهل المستهلك النهائيات. يظهر ذلك جلياً في أسعار السيارات، ومواد البناء، والسلع الغذائية الأساسية.
2. اضطراب سلاسل التوريد
تعتمد قطاعات كاملة — مثل صناعة الطيران والسيارات والطاقة — على عبور القطع والمكونات الحدود عدة مرات قبل إنتاج السلعة النهائية. فرض القيود يسبب تباطؤاً في الإنتاج وزيادة في التكاليف التنسيقية واللوجستية.
3. سوق العمل والوظائف
يواجه قطاع التوظيف تهديدات حقيقية؛ إذ تضغط تكاليف التشغيل مرتفعة على الشركات للانكماش أو تسريح العمالة، خاصة في الولايات الحدودية والمناطق الكندية التي تعتمد كلياً على التصدير للشريك الأمريكي.
المواقف السياسية وديناميكية الرد
على الصعيد السياسي، أبدت أوتاوا موقفاً حازماً عبر اعتماد سياسة “المعاملة بالمثل”، حيث فرضت رسوماً جمركية استهدفت منتجات أمريكية في ولايات ذات ثقل انتخابي وسياسي مؤاثر، سعياً لتشكيل ضغط داخلي على واشنطن. وفي المقابل، تستخدم واشنطن حجم اقتصادها الضخم كأداة ضغط لانتزاع تنازلات في التفاهمات التجارة الحرة وتعديل الاتفاقيات الثنائية.
آفاق المستقبل: هل من مخرج؟
تُظهر هذه الحرب الاقتصاديّة أنه لا يوجد “رابح” في نزاع بين اقتصادين شديدي التداخل. فالكلفة الاقتصادية لن تقتصر على انخفاض معدلات النمو، بل تمتد لتضعف القوة التنافسية لشمال أمريكا ككتلة اقتصادية أمام التكتلات العالمية الصاعدة.
يبدو أن الحل الوحيد يكمن في العودة إلى طاولة المفاوضات وتغليب المصلحة الاستراتيجية المشتركة، من خلال مراجعة الاتفاقيات التجاريّة بروح من الشراكة لا التصادم. وحتى يتحقق ذلك، يبقى المستهلك والعامل العادي في كلا البلدين هما من يدفعان الثمن الأكبر لهذه المواجهة.



