× الرئيسية لبنان العالم اقتصاد رياضة أخبار تربوية صحف الأبراج الطقس تكنولوجيا أخبار إقليمية نشاطات مقالات خاص HOSTNEWS أمن وقضاء من نحن
السبت، 18 يوليو 2026 | بيروت
f X tg ig
عاجل
في بنت جبيل: مدرسة تحت الركام… وضمير العالم في قفص الاتهام./ نادين خزعل مقالات

في بنت جبيل: مدرسة تحت الركام… وضمير العالم في قفص الاتهام./ نادين خزعل

2026-07-18 09:14 وفاء ابو الحسن
وفاء ابو الحسن
رئيس التحرير وفاء ابو الحسن

تشرف على إدارة العمل التحريري للموقع، وتعمل على تقديم محتوى موثوق وتحليلات متعمّقة للأحداث السياسية في المنطقة.

2026-07-18 4797 مقالات
كل المقالات

ارتجف القلمُ قهرًا، وتراكمت العبارات مثقلةً بالعَبرات…
إنه عبء العجز يلقي بثقله على صمت الكلمات الواهن، وأي وجع بعد؟

تابع HOSTNEWS على تيليغرام

احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.

في منطقة صفّ الهوا في بنت جبيل، دوّى انفجار هائل، اهتزت الأرض، الهدف هو مدارس المهدي، العدو الإسرائيلي تمادى، كعادته، ما عادت تكفيه الأبنية الإسمنتية، دمر المدرسة بشكل كامل.. الاعتداء اليوم كان على حق أطفال الجنوب في أن يتعلموا، وعلى حق أساتذة الجنوب في أن يحملوا رسالتهم، وعلى حق الجنوب في الحياة.

في لحظة فاصلة ، تحوّلت الصفوف التي كُتبت على ألواحها أحلام الصغار إلى مشهد من الركام، الحرب هنا لا تكتفي بأخذ الأرواح، الصواريخ تنتقم حتى من دفاتر التلامذة ومقاعدهم.

ما زاد المشهد قسوة هو أن هذا الاعتداء السافر الوحشي وقع في ظل وقفٍ لإطلاق النار، في وقت كان يفترض فيه أن تكون المدارس أكثر الأماكن أمناً، فإذا بها تصبح هدفاً جديداً في مسلسل لا يبدو أن أحداً يريد له أن يتوقف. وكأن العالم اعتاد أن يرى مدارس الجنوب تُقصف، وأن يمرّ الخبر في نشرات الأخبار مروراً عابراً، من دون أن تهتز ضمائر أو تُحرَّك مساءلات.

ولكن…
القانون الدولي لم يترك المؤسسات التعليمية بلا حماية: اتفاقيات جنيف عام 1949 والبروتوكول الإضافي الأول عام 1977، يفرضان تحييد الأعيان المدنية، ويؤكدان أن المدارس تُعد من الأعيان المدنية التي لا يجوز استهدافها مع الالتزام الدائم بمبادئ التمييز والتناسب والاحتياط في الهجمات. كما تنص اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 على حق كل طفل في التعليم، وتُلزم الدول باتخاذ التدابير اللازمة لضمان استمرارية هذا الحق حتى في الظروف الاستثنائية، فيما جاء إعلان المدارس الآمنة ليؤكد ضرورة حماية المؤسسات التعليمية من الاستهداف العسكري ومن الهجمات التي تحرم الأطفال من بيئتهم التعليمية.

فأي معنى يبقى لهذه النصوص إذا كانت المدارس تُنسف أمام أعين العالم؟ وأي قيمة للقانون الدولي إذا كان لا يتحرك إلا في البيانات، بينما يتحول الواقع إلى مشهد يومي من الانتهاكات؟ إن صمت المجتمع الدولي لم يعد حياداً، بل بات شريكاً في تكريس الإفلات من العقاب، وفي تحويل الاعتداء على التعليم إلى خبر مألوف لا يستدعي إلا دقائق معدودة من الاستنكار.

إن تفجير مدرسة لا يمكن وتحت أي مسمى اعتباره عدوانًا عسكرياً عادياً، بل هو مجزرة تربوية بكل ما تحمله الكلمة من معنى وهو نسف لاحتمالية أن تبقى المعرفة قادرة على الانتصار على الحرب.

في بنت جبيل، الشاهدة الشهيدة، المدينة الخالدة، المدمرة المحروقة المهدمة، روح تنازع الرمق الأخير، تتشبث بالبقاء، تستسقي من دماء الشهداء، والأرض عطشى….
بنت جبيل الثكلى، المكلومة، تصرخ: كم مدرسة يجب أن تُدمَّر بعد، وكم طفل يجب أن يُحرم من مقعده الدراسي، حتى يقتنع العالم بأن حماية المؤسسات التعليمية ليست ترفاً قانونياً وأنها واجب إنساني وأخلاقي لا يقبل المساومة؟

إن المدارس هي مصانع للأمل والغد، وحين تُستهدف المدارس، فإن الإنسانية كلها تكون في قفص الاتهام.
ما جرى اليوم ليس جريمة بحق لبنان وحده، بل جريمة بحق الطفولة، وبحق التربية، وبحق المستقبل الذي يُراد له أن يولد من تحت الركام.

وبعد…
إن أخطر ما في الجريمة عدا عن همجيتها هو اعتياد العالم عليها.
هنا في الجنوب..
نسف مدرسة هو خبر عابر، تُطوى صفحته بعد ساعات، وبهذا تكون الإنسانية قد خسرت شيئاً من إنسانيتها، ويكون القانون قد خسر هيبته، وتكون العدالة قد وقفت مرة أخرى صامتة أمام الركام.

أيها العالم…
المدرسة التي تُدمَّر اليوم سيعيد الجنوبيون بناءها حجراً فوق حجر، أما الوصمة التي تلاحق الصمت الدولي، فستبقى شاهداً على زمنٍ رأى الطفولة تُستهدف، واختار أن يكتفي بالمشاهدة.

أيها العالم…
اليوم تم تفجير مدارس المهدي ولكن…
سقط معها درس في العدالة، وصفحة من كتاب الإنسانية، وحلم طفل كان يعتقد أن المدرسة هي المكان الوحيد الذي لا تصله الحرب.

أيها العالم..
سيعيد أبناء الجنوب بناء مدارسهم، كما أعادوا بناء بيوتهم ومدنهم مراتٍ لا تُحصى، لأن الإيمان بالحياة أقوى من آلة الدمار. لكن السؤال الذي سيبقى معلقاً في ضمير البشرية: من سيعيد بناء الضمير العالمي الذي تهدّم كلما تهدّمت مدرسة، ولم يتحرك؟

الوسوم: بنت جبيل نادين خزعل