الوزيرة ريما كرامي ترد على بيان الوزير عباس الحلبي. أصدر المكتب الإعلامي لوزيرة التربية والتعليم العالي الدكتورة ريما كرامي البيان…
أخبار تربويةهل ستعمل ريما كرامي على تغيير المناهج التربوية لإرضاء إسرائيل؟
هل ستعمل ريما كرامي على تغيير المناهج التربوية لإرضاء إسرائيل؟
كتب التربوي أحمد البعريني
تابع HOSTNEWS على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
١٧ أيار ٢٠٢٦
ما أورده الصحافي الإستقصائي حسن عليق في مقابلته المسجّلة على موقع “محطة” ليس تفصيلاً عابراً يمكن المرور عليه بخفة، ولا مجرّد “تسريب” يدخل في بازار السجالات السياسية اليومية. نحن أمام كلام بالغ الخطورة يمسّ جوهر السيادة الوطنية والهوية الثقافية والتربوية للبنان، ويضع وزارة التربية مباشرة أمام مسؤولية وطنية وأخلاقية وسياسية لا تحتمل الصمت ولا المواربة.
بحسب ما أورده عليق، فإن السفيرة اللبنانية المشاركة ضمن الوفد المفاوض في وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل ناقشت مع الوفد الإسرائيلي مسألة تغيير المناهج التربوية في لبنان، في سياق يهدف إلى إرضاء إسرائيل، كما تحدّث أيضاً عن نقاشات تناولت إلغاء القوانين التي تُجرّم التواصل مع العدو الإسرائيلي.
إذا صحّ هذا الكلام، فنحن لا نتحدث عن ملف إداري أو تربوي عادي، بل عن محاولة خطيرة لإعادة صياغة الوعي الوطني اللبناني تحت ضغط الدم والنار والابتزاز السياسي. وهنا يصبح السؤال موجهاً مباشرة إلى وزيرة التربية ريما كرامي:
هل كانت الوزارة على علم بما جرى تداوله داخل أروقة التفاوض؟ وهل وُضعت الوزيرة في أجواء أي نقاش يتصل بالمناهج التربوية باعتبار أن هذا الملف يقع ضمن صلاحيات وزارتها المباشرة؟ وهل يمكن لحكومة تفاوض العدو الإسرائيلي في ملفات بهذا الحجم أن تستثني وزيرة التربية من نقاش يمسّ المناهج والهوية الوطنية؟
وإذا كانت الوزيرة لا تعلم، فهذه مصيبة تكشف حجم التخبّط داخل السلطة. أما إذا كانت تعلم وصمتت، فالمصيبة أكبر.
فالحكومة اللبنانية عندما تتخذ قراراً سيادياً بالتفاوض، فإن هذا القرار لا يكون قرار موظف أو سفير أو لجنة تقنية، بل قرار سلطة مجتمعة. أي أن الوزراء، بمن فيهم وزيرة التربية، يتحمّلون سياسياً وأخلاقياً مسؤولية هذا المسار، خصوصاً أن ريما كرامي لم تُعرف بأنها اعترضت علناً على مبدأ هذا التفاوض، ولم يصدر عنها أي موقف يرفض إدخال الملف التربوي في بازار المساومات السياسية.
فهل سكتت الوزيرة لأن الملف لم يُعرض عليها أصلاً؟ أم لأنها جزء من سلطة قررت الذهاب إلى هذا المسار التفاوضي بكل ما يحمله من أثمان سياسية وثقافية ووطنية؟
وهل هناك اليوم داخل أروقة الحكم من يناقش فعلياً “تطوير” المناهج بما يتناسب مع متطلبات الخارج؟ وهل بات المطلوب من الأجيال اللبنانية أن تتعامل مع إسرائيل كـ“جار” لا كعدو يحتل الأرض ويقتل المدنيين ويهجّر أهل الجنوب؟
أي حديث عن تغيير المناهج في هذا التوقيت تحديداً يبدو استفزازاً فجّاً لمشاعر اللبنانيين، وخصوصاً لأهالي الجنوب الذين يدفعون يومياً أثمان العدوان الإسرائيلي دماً وبيوتاً وأرزاقاً وأطفالاً. فبينما يسقط الشهداء والجرحى، ويُهجّر عشرات الآلاف بفعل آلة الحرب الإسرائيلية، يخرج من يتحدث عن “تعديل المناهج” لإرضاء العدو نفسه الذي يقتل اللبنانيين ويدمّر أرضهم.
أي منطق هذا؟ وأي سقوط سياسي وأخلاقي يمكن أن يدفع مسؤولين لبنانيين إلى فتح نقاش من هذا النوع فيما الطائرات الإسرائيلية لا تزال تمزّق سماء لبنان؟
إن المناهج التربوية ليست دفاتر مدرسية فحسب، بل هي ذاكرة وطن وهوية شعب وتاريخ مقاومة ومعنى انتماء. ومن يريد العبث بها تحت أي عنوان خارجي إنما يعبث بعقل لبنان نفسه. فالتربية ليست منصة لتبييض صورة الاحتلال، وليست غرفة علاقات عامة لتسويق التطبيع الثقافي والفكري.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع فقط على من تفاوض، بل أيضاً على كل من صمت أو تواطأ أو اختبأ خلف العبارات الرمادية. فحين تكون وزيرة التربية جزءاً من حكومة تفاوض العدو، يصبح من حق اللبنانيين أن يسألوها بشكل مباشر وواضح: ماذا كان موقفك؟ هل اعترضتِ؟ هل رفضتِ إدخال المناهج في أي نقاش؟ هل طلبتِ توضيحات من الحكومة؟ أم أن الأمر مرّ وكأنه تفصيل عادي لا يستحق حتى بياناً توضيحياً؟
المطلوب من ريما كرامي اليوم إصدار موقف واضح وصريح لا يحتمل التأويل: هل تنفي ما ورد بالكامل؟ هل تؤكد رفض أي تدخل خارجي بالمناهج؟ هل تتعهد أمام اللبنانيين بأن وزارة التربية لن تكون جسراً لأي مشروع يهدف إلى تطويع الوعي الوطني اللبناني بما يتناسب مع المصالح الإسرائيلية؟ هل تلتزم علناً بأن تاريخ الاحتلال والاعتداءات والمجازر سيبقى جزءاً من ذاكرة الأجيال اللبنانية مهما كانت الضغوط الدولية والإقليمية؟
اللبنانيون لا يريدون بيانات خشبية ولا عبارات دبلوماسية رمادية. يريدون جواباً مباشراً: هل وزارة التربية مع حماية الهوية الوطنية أم مع إعادة هندستها وفق شروط الخارج؟
فحين تصبح دماء أبناء الجنوب مجرد هامش في مفاوضات سياسية، وحين تتحول المناهج التربوية إلى بند قابل للمساومة لإرضاء العدو، يصبح السكوت شراكة، ويصبح الصمت الرسمي إدانة بحد ذاته.



