
الصعود الثاني للشيعة في لبنان: وعي يتجاوز الجراح/ محمد اسماعيل
في تاريخ الشعوب، هناك لحظات تُفرض ولا تُختار، تصوغ الهويّة من عمق الوجع. وما يعيشه الشيعة في لبنان اليوم هو لحظة من هذا النوع — صعودٌ ثانٍ، لا بالقوة وحدها، بل بالوعي.
الصعود الأول كان نهضةً من قاع الحرمان إلى ساحة الوجود الوطني، حملها السيد موسى الصدر بيده المؤمنة بالإنسان والعدالة. ثم جاءت المقاومة لتمنح هذا الوجود معنى الكرامة والقدرة على حماية الذات والوطن معاً.
لكن الزمن امتحن هذه المسيرة، فتعرضت الجماعة لعزلة وتشويه وضغطٍ غير مسبوق. ومع ذلك، لم تنكسر. بالعكس، من قلب هذا الألم وُلد الصعود الثاني: صعودٌ فكريّ، هادئ، يعبّر عن نضج جماعي يوازن بين الانتماء والمواطنة، بين السلاح والفكرة، بين المقاومة والإنسان.
لم يعد الهدف إثبات الوجود، بل الحفاظ على المعنى. لم يعد الصعود ردّة فعل، بل فعلَ وعيٍ يعيد تعريف القوة. هذه المرة لا بالمعارك، بل بالقدرة على قراءة الذات والتاريخ من جديد.
إنه صعود الوعي بعد التجربة، والهوية بعد العاصفة — عودة هادئة من الحرب إلى الفكرة، ومن الصوت العالي إلى الإدراك العميق.






