
وزيرة التربية… حين تصبح الشهادة لعبة في يد سلطة لا تعرف معنى الكرامة التعليمية/ محمد اسماعيل

في بلدٍ تُقاس فيه قيمة المؤسسات بعدد الناجين من الانهيار، تخرج علينا وزيرة التربية اللبنانية بقرارٍ يضيف حلقة جديدة إلى مسلسل تفريغ الدولة من معناها. بدل أن تكون الشهادة الرسمية آخر ما تبقّى من هيبة القطاع العام وأداته لحماية مستقبل الطلاب، تتحوّل فجأة إلى ورقة يمكن تمزيقها بقرار مرتجل، وكأن آلاف التلاميذ مجرّد هامش يمكن شطبه حين تضيق الحسابات السياسية.
الوزيرة تتحدث بثقة وكأنها تقوم بعملية إنقاذ. تقول إن الشهادة ليست هدفاً بحدّ ذاتها، وإن إلغاءها ظرفياً لن يمسّ بمستقبل الطلاب. لكن الحقيقة أكثر مرارة: ليس ما يحصل “ظرفياً”، بل هو نتيجة طبيعية لانهيارٍ منهجيّ تُرك ليتفاقم حتى بلغ لحظة السقوط التربوي. فالامتحانات ليست مجرّد أوراق، بل معيار للعدالة، ولتكافؤ الفرص، ولثقة المجتمع بالدولة. وحين تُلغى الشهادة، لا يتضرّر الطالب وحده، بل تُلغى معها آخر خطوط الدفاع عن التعليم الرسمي.
اللافت أن القرار يأتي من وزارة عاجزة أصلاً عن تأمين مقومات عام دراسي عادي: لا أساتذة مكفولون، ولا مدارس مجهّزة، ولا خطة واضحة. ومع ذلك، تُختصر الأزمة بعبارة “إلغاء الشهادة”. وكأن من السهل أن نطلب من طالبٍ كافح طوال سنة أن يقبل بهذه الخفّة، أو من أهلٍ دفعوا ما فوقهم وتحتهم ليضمنوا مستقبل أولادهم أن يبتلعوا هذا الواقع كأن شيئاً لم يكن.
الوزيرة تتحدث عن “ظروف استثنائية” وكأن لبنان لم يعد يعرف غيرها. لكن الاستثناء الحقيقي هو أن وزارة التربية تتعامل مع شهادة رسمية عمرها عقود وكأنها منشور فيسبوك يمكن حذفه ثم إعادة نشره.
والأخطر من القرار نفسه هو الرسالة التي يُمرّرها:
إذا كانت الدولة تستطيع التراجع عن أهم امتحان وطني بهذه السهولة، فما الذي يمنعها غداً من التراجع عن الاعتراف بالشهادات الجامعية؟ أو من ترك المدارس الرسمية لمصيرها؟ أو من تحويل التعليم إلى خدمة خاصة لمن يستطيع الدفع فقط؟
إلغاء الشهادة ليس حلاً. هو إعلان استسلام.
وهو خطوة خطيرة تُظهر أن الوزارة فقدت السيطرة على العقد التعليمي، وتبحث عن طريقة لتغطية العجز بدل مواجهته بشجاعة.
في النهاية، الطلاب الذين حرموا من امتحانهم لن ينسوا، والأهالي لن يمرّروا هذه الصفقة، والقطاع التربوي لن ينهض ما دام يُدار بهذا الارتجال. التعليم ليس ملكاً لشخص ولا لحكومة، بل رصيد وطني لا يحق لأحد إهداره.







