الوسم: نادين خزعل

  • فادي بودية: دعوى قضائية تفتح معركة الحقيقة./ نادين خزعل.

    فادي بودية: دعوى قضائية تفتح معركة الحقيقة./ نادين خزعل.

    في مشهد إعلامي لبناني تتزايد فيه الأصوات المنحازة ويتراجع فيه منسوب المهنية، برز الإعلامي فادي بودية كأحد الأصوات التي اختارت المواجهة وترفعت عن المجاراة فحمل لواء الكلمة المسؤولة والموقف المقاوم وهو ما جعل أعداء الوطن وخصوم الكلمة يشنون عليه حملات ممنهجة لم تخل من سم التشهير الإعلامي ومن لا مهنية الإساءة ومن انعدام المناقبية إذ تبنوا أخبارًا دون الاستناد إلى أي مصدر بل تنفيذًا لأجندة أهداف تقسيمية مشبوهة.

    وإن كانوا “هم” قد تبنوا أخبارًا دون دليل، فإن الرد “عليهم” كان بلغة القانون ولغة المؤسسات.

    ماذا في التفاصيل؟
    نشرت كل من “نداء الوطن” وَ “MTV” تقارير عن قيام الاعلامي فادي بو دية بتزوير علاماته فما كان منه إلا أن تقدم بدعوى قضائية أمام محكمة المطبوعات في جبل لبنان ضد كلٍّ من قناة MTV وموقع نداء الوطن، بجرم التشهير والقدح والذم ونشر الأخبار الكاذبة والمفبركة بحقه، عبر وكيليه القانونيين المحامي أحمد برجاوي والمحامي حسين رمضان.

    إن الادعاء الذي قام به بو دية لم يكن مجرد دفاع عن النفس، بل هو انعكاس لموقف مبدئي يؤمن به يحمي الاعلام من الانحدار، ويعيد الاعتبار إلى قيم الصدق والموضوعية والاحترام المتبادل، في مواجهة إعلامٍ بات بعضه رهينة التوجهات السياسية والتمويل المشروط.

    يقول بودية في بيان أصدره أنه يؤمن بسلطة القضاء وبحق المحاسبة كدرع يحمي الإعلام من الفوضى والافتراء و أنّ حرية الإعلام لا يمكن أن تُختزل بحرية التهجّم أو اختلاق الأكاذيب، فالكلمة أمانة ومسؤولية قبل أن تكون وسيلة جذب أو شهرة.

    هذا الموقف، الذي اختار بودية خوضه بشجاعة، يعبّر عن وعي مهني وأخلاقي نادر في زمن تتراجع فيه المعايير أمام سرعة السبق الصحافي ووهج المشاهدات. وهو موقف يؤكد على جوهر الرسالة الإعلامية القائمة على كشف الحقيقة لا تزييفها، وعلى خدمة المجتمع والوطن لا المصالح السياسية.

    بودية دعا المؤسسات الإعلامية إلى التحلّي بالرصانة المهنية، والابتعاد عن الفبركات والانحياز، قائلاً إنّ كرامة الإعلامي وسمعة الإعلام اللبناني يجب أن تبقيا فوق أي مكسب سياسي أو إعلامي.


    فهو، كما عبّر في مواقفه السابقة، يرى في الإعلام رسالة وواجب وليس منصة لتصفية الحسابات، مؤكداً أن الحق لا يحتاج إلى ضجيج، بل إلى من يملك الشجاعة ليدافع عنه.


    لقد أثبت فادي بودية أنّه أكثر من مجرد إعلامي؛ فهو صوت نقدي حرّ يملك القدرة على الجمع بين الحزم المهني والهدوء التحليلي، يواجه الانحياز بالمنطق، ويقارع الحملات بالحقائق، لقد تركت مواقفه بصمة واضحة في المشهد الإعلامي اللبناني، حتى بات يُنظر إليه كأحد الذين يحافظون على التوازن العصي على الاستقطاب، والذين يذكّرون بأنّ الحياد هو أقوى أشكال الانحياز… حين يكون انحيازاً للحقيقة فقط.

  • الحدت… حين تتحوّل الأرض إلى هوية، جورج عون أحسنت!/ نادين خزعل.

    الحدت… حين تتحوّل الأرض إلى هوية، جورج عون أحسنت!/ نادين خزعل.

    عام 2010 أطلقت بلدية الحدت حملة “ما تبيع أرضك البلدية ما رح تمضيلك“، ولكن فجأة ودون سابق إنذار عادت هذه الحملة اليوم إلى الواجهة في زمن الاحتقان…فانبرى عدد من الإعلاميين والمؤثرين وحتى رجال الدين والمخاتير إلى تبادل الخبر وكأنه حدث آني وهبت التحليلات والتخوينات من كل حدب وصوب وبشكل خاص ممن ينتمون إلى الطائفة الشيعية.

    فهل يُقرأ ذلك تمسّكًا بالهوية أم نذير فتنة؟


    في بلدة الحدت، انتهجت بلديتها ألا تُقاس قيمة الأرض بالمتر، بل بالانتماء.


    منذ سنوات، تتردّد عبارة على لافتة كبيرة عند مداخل البلدة: “ما تبيع أرضك، البلدية ما رح تمضيلك”. جملة تختصر فلسفة كاملة في التمسّك بالجذور، وتلخّص رؤية بلدية اختارت أن تواجه حربًا صامتة، ليست عسكرية ولا سياسية، بل ديموغرافية تمسّ جوهر الكيان والهوية.

    هذه الحملة ليست وليدة اليوم، نعود ونذكر، فهي تعود إلى عام 2010، حين قرّرت بلدية الحدت إطلاقها دفاعًا عن طبيعة البلدة وتركيبتها السكانية. ومع ذلك، يعود السؤال اليوم ليفرض نفسه: لماذا أعيد تسليط الضوء عليها الآن؟


    الجواب يحمل أكثر من بُعد. ففي زمن يشهد احتقانًا شعبيًا متصاعدًا، وأصواتًا قد تحاول استغلال أي تفصيل لتأجيج الفتنة، يصبح استحضار هذه الحملة سيفًا ذا حدّين: فإمّا أن يُفهم في سياق الحرص على الهوية، أو يُفسَّر خطأ كإشارة تفرقة.


    لكن الحقيقة هي أن الفتنة لا تخدم إلا أعداء الوطن، وأن الهدف من الحملة لم يكن يومًا الإقصاء، بل الحفاظ على التنوّع والعيش المشترك بوعي ومسؤولية.

    رئيس البلدية جورج عون معروف عنه إصراره على أن “الهوية لا تُشترى ولا تُباع”. فالحملة التي أطلقتها البلدية منذ عام 2010 لم تكن ردّ فعل عابرًا، بل قرارًا استراتيجيًا للدفاع عن طبيعة المنطقة وتركيبتها.


    عون سبق له أن شدد على أن الخطوة ليست موجهة ضد أحد، بل هي نداء لكل اللبنانيين مهما كانت طوائفهم بأن يحافظوا على هوية قراهم وبلداتهم، لأن التغيير الديموغرافي، كما يقول، “يضرّ بالوطن كلّه، لا بطائفة واحدة”.

    الحدت، الواقعة على تخوم الضاحية الجنوبية، لم تسلم سابقًا من ضغوط السوق العقارية ولا من إغراءات المال. فالعروض المغرية التي قُدّمت لأهلها دفعت البلدية إلى رسم حدود واضحة بين الحاجة والمبدأ، بين الطمع والهوية. ولهذا، ترفض البلدية توقيع أي معاملة بيع مشبوهة يمكن أن تغيّر وجه البلدة. فالقرار البلدي هنا ليس حجر عثرة أمام التنمية، بل درع يحمي التوازن والعيش المشترك.

    وأنا كإعلامية وناشطة إجتماعية “شيعية”، أرى أن هذا القرار، على عكس ما يُشاع، يساهم في صون التنوّع لا في إلغائه. فهو إجراء وطني قبل أن يكون بلديًا، يحفظ التوازن بين مكوّنات المنطقة ويمنع الانزلاق نحو التفرقة.

    وطيلة السنوات التي مرت، لم يكن هناك اعتراض قانوني أو شعبي أو رسمي على الخطوة، لأنها نابعة من رغبة الأهالي أنفسهم في حماية أرضهم.

    في لغة الاقتصاد، قد تُعتبر الأرض سلعة. أما في لغة الانتماء، فهي ذاكرة وبيت..

    وللتذكير، قبل سنوات، أقدم أحد المتمولين الشيعة على شراء عقار مساحته 84 ألف متر مربع قرب الوروار، وحين علمت البلدية بالأمر رفضته، وحينها تم بالتعاون مع الأهالي والمموّلين استعادة العقار من مالكه الجديد وحينها راعي هذه الوساطة كان سماحة السيد الشهيد حسن نصر الله الذي تدخل شخصياً وطلب من المشتري “الشيعي” أ. ط إعادة بيع العقار إلى أهل الحدت..
    وهنا نقف عند أمرين:

    • لا أحد أحرص على الطائفة الشيعية من سماحة السيد الشهيد حسن نصر الله وهذا برسم كل المزايدين.
    • بلدية الحدت في هذا الاجراء، لم تكن تستعيد عقارًا فحسب، بل كانت تسترجع جزءًا من هوية المكان وهذا حق مقدس كفلته الدساتير والأعراف الاجتماعية في لبنان.

    وبعد..
    في جوهر هذا الموقف، رسالة تتجاوز الحدود الإدارية للحدت:
    أن يبقى لبنان بلدًا بتنوّعه لا بتنافره، وأن يكون العيش المشترك فعل إرادة لا مجرّد شعار.

    الحدت اليوم تقدّم نموذجًا لما يمكن أن تفعله بلدة صغيرة حين تقرّر أن تحمي نفسها بالحكمة لا بالتعصّب، وبالوعي لا بالخوف.
    ففي زمن يُباع فيه كل شيء، ثمة من يصرّ على أن الأرض لا تُباع، لأنها تشكل كل الأنا وكل النحن..

    ليست قضية الحدت مجرد نزاع على بيع أرض أو توقيع معاملة، بل صرخة وعي في وجه النسيان، فحين تتمسك البلدة بترابها، فهي تتمسك بتاريخها وذاكرتها وجيرانها، وحين يُرفع شعار “لا تبيع”، فهو في جوهره نداء كي لا نبيع ما تبقّى من وطنٍ يتآكل من أطرافه.

    أما في ما خص التعميم الحديث الذي أصدره رئيس البلدية جورج عون بوجوب مراجعته في كل عقار يتم بيعه أو تأجيره، فليت كل رؤساء بلديات لبنان من أقصاه إلى أقصاه يحذون حذوه…لماذا؟
    لأنه تبين أن عدداً من الشقق التي يتم استئجارها يتم تحويلها إلى أوكار مخدرات أو أعمال منافية للآداب وحتى قد تشكل أخطارًا أمنية إن استخدمت لأهداف إرهابية أو مما من شأنه زعزعة الاستقرار الأمني، والأمثلة على ذلك كثيرة، فأين الخطأ حين تقوم البلدية التي تشكل السلطة المحلية للدولة بدورها الذي يحفظ السلم والأمن؟

    والقانون منح البلدية حق منع المواطن من البيع وهي تملك السلطة المطلقة بعدم اعطاء الشاري إفادات ومنعه من البناء ومن التسجيل، فهل المزايدون يدركون أنهم يتناولون حتى جوهر القانون في حملاتهم المضادة؟

    الوعي ثم الوعي ثم الوعي ثم الوعي….


    ما يتربص بلبنان من مطامع اسرائيلية وخارجية لتغيير ديموغرافيته وهويته هو أخطر بكثير من حملة بلدية الحدت التي تحمي الهوية وتكرس الانتماء….


    الخطاب الطائفي لا يخدم الا الأعداء، ولبنان لا يستقيم الا بالعيش المشترك، فلنمسك بأيدي بعضنا البعض ولنتشبث بلبنان …


    كل على دينه، وانتمائه، وتفكيره، وتبعيته السياسية، وحريته، واستقلاليته، ولكن لبنان، هو لبنان لنا جميعنا…..

    لم يسبق لي يومًا أن أتيت على تحديد هويتي الدينية في مقال صحفي، ولكن، في ظل احتدام حملة مشبوهة التوقيت، انجر لها من يعلم وانجر لها من لا يعلم أنه جُرَّ، أقول، أنني كشيعية، أشهد على حجم التعايش ضمن النطاق الجغرافي لبلدية الحدت، وكنت شاهدة على الأرض خلال العدوان الإسرائيلي الأخير كيف فُتحت الأبواب للنازحين من الضاحية الجنوبية، وكيف تم العمل على تأمين كل حاجاتهم وكيف تم تخصيص مراكز إيواء لائقة بهم، كما أنني أشهد على كيفية التعاطي الراقي من قبل البلدية مع كل المراجعين على اختلاف طوائفهم..

    وأروي حادثة وقعت في إحدى أيام شهر تشرين الأول أثناء العدوان، وكانت النفايات قد تكدست بشكل كبير أمام أحد مراكز النزوح بما يهدد السلامة العامة للنازحين، فكان اتصال واحد بالبلدية كفيل بأن ترسل آلياتها وتعمل على إزالة النفايات فورًا وتأمين حلول لوجستية سريعة لمنع تكدسها….

    بالمحصلة، البيع العشوائي يغير من الهوية الديموغرافية للمناطق، وتغيير الهوية يسيء إلى العيش المشترك، ويسيء إلى الوطن كله وليس إلى طائفة واحدة….

  • في ميس الجبل: العِلم هو فِعْلُ مُقاوَمة./ نادين خزعل.

    في ميس الجبل: العِلم هو فِعْلُ مُقاوَمة./ نادين خزعل.

    هنا الجنوب
    هنا قداسة الكرامة..
    هنا الإرادة المنبثقة من الركام…
    هنا الحطام الذي يستحيل أملًا..
    هنا الحرف والقلم والكلمة…
    هنا أبجدية من صمود..
    هنا معلمون ومتعلمون….
    وما كان للوطن…ينمو..

    هنا الجنوب..
    هنا ميس الجبل..
    هنا الأرض المخضبة بدماء الشهداء وبدوي الغارات وبآلام الجرحى…

    الأصوات التي أراد العدو إسكاتها عادت تدوي بين أنقاض المدارس..

    قُرع الجرس…
    رنينه أقوى من المسيرات والغارات….
    اصطف الطلاب بوجوه توضأت بالشمس والنار، يهرولون نحو الصفوف المؤقتة فوق أرضٍ لم تبرد بعد من رماد القصف، ولم تجف من الدمع….

    اصطلاحًا: مدارس جاهزة وصفوف مؤقتة…
    ولكن هنا في الجنوب، هنا في ميس الجبل، الجدران المعدنية تحولت احتضانًا للتعلّم، والطباشير البيضاء رايات مقاومة تنبض بالحياة.

    الدرس الأول: الحلم أقوى من القصف..
    الدرس الثاني: الكرامة لا تُهدم.
    الدرس الثالث:الوطن يرفض الانكسار.

    هي الصفعة الأبلغ على وجه العدو الذي ظن أن الدمار يكسر الإرادة، فإذا بالإرادة تُعلّم العالم أن الجنوب حيّ، وأن الحياة فيه مستدامة…

    تم توفير الغرف المؤقتة والوسائل التعليمية اللازمة وافتتحت مدرسة مؤقتة في ميس الجبل، ولكن الصمود والإصرار على التعلم هو فعل مقاومة تربوية دائمة.

  • السلامة النفسية أولوية لا رفاهية./ نادين خزعل.

    السلامة النفسية أولوية لا رفاهية./ نادين خزعل.

    يُصادف العاشر من تشرين الأول من كل عام اليوم العالمي للصحة النفسية، وهي مناسبة تُسلّط الضوء على أهمية الاهتمام بالسلامة النفسية كعنصر أساسي من عناصر الصحة العامة وجودة الحياة. ومع تزايد الضغوط اليومية والتحديات الاقتصادية والاجتماعية، باتت الصحة النفسية قضية مجتمعية ملحّة تتطلب وعياً شاملاً وتعاوناً بين الأفراد والمؤسسات.

    تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الصحة النفسية لا تعني غياب الاضطرابات النفسية، بل تعني تمتع الفرد بالقدرة على التعامل مع ضغوط الحياة، والعمل بإنتاجية، والمشاركة الإيجابية في مجتمعه. ومن هذا المنطلق، أصبحت السلامة النفسية شرطاً أساسياً لتحقيق التوازن الشخصي والاجتماعي، ولضمان بيئة عمل وتعليم أكثر استقراراً وإنتاجاً.

    ويؤكد اختصاصيون في علم النفس أن ازدياد القلق والتوتر والاكتئاب في السنوات الأخيرة، خصوصاً بين فئة الشباب، يرتبط بشكل وثيق بتحديات الواقع المعاصر كالضغوط الدراسية والمهنية، والاستخدام المفرط للتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي. ويشددون على أن التعامل مع هذه الظواهر يتطلب نشر ثقافة الدعم النفسي، وتشجيع الأفراد على طلب المساعدة من دون خوف أو خجل.

    في المقابل، تلعب المؤسسات التربوية والإعلامية والصحية دوراً محورياً في ترسيخ مفهوم الصحة النفسية عبر التوعية، وإطلاق البرامج الداعمة، وخلق بيئات آمنة تعزز الثقة والانتماء. كما تُعد الأسرة خط الدفاع الأول في رعاية السلامة النفسية لأفرادها، من خلال الحوار، والاحتواء، وتقبّل الاختلاف.

    ويجمع الخبراء على أن الاستثمار في الصحة النفسية ينعكس مباشرة على التنمية البشرية والإنتاجية الوطنية، إذ إن العامل المستقر نفسياً يكون أكثر قدرة على الإبداع والعطاء. لذلك، فإن الدعوة إلى الاهتمام بالسلامة النفسية هي في جوهرها دعوة إلى بناء إنسان متوازن ومجتمع صحي ومتماسك.

    وعلى مستوى لبنان، فإن تداعيات الأزمات المتتالية على الصعد الأمنية والاقتصادية والاجتماعية تستوجب تضافر الجهود لتعزيز الصحة النفسية من أجل تحقيق الصحة المجتمعية.

  • سيد حسن، خذنا معك أو عد إلينا..إنا على العهد/ نادين خزعل.

    سيد حسن، خذنا معك أو عد إلينا..إنا على العهد/ نادين خزعل.

    27 أيلول 2024…
    27 أيلول 2025..

    السّادسة والثلث، بتوقيت الفَقْدِ واليُتم والكَسر والتَغرّب والوَجع والهذيان والضياع والانتهاء……

    ثلمت الأفئدة، والعقول نارٌ في الموقدة، والاحتراق تلا مأتم الفراق..

    اللسان تلعثم، والكلام صمت، والوجوه انكفأت تحدق في المدى، رحماك يا رب، دع الصدى يعود رجعًا ونفيانًا ونكرانًا: هل استشهد السيد؟ نعم استشهد السيد…

    السيد حسن، أيها القابض على زناد الذينَ يرحلونَ الى الشهادة..
    إلى اعراسِ الياسمين..
    إلى أين ارتحلت….
    من سيكتب تاريخنا الكربلائي
    ببكاءٍ دمعه بسالة البطولة..
    على وجهِ الشمس..
    من سيقول للغاصب لا…
    من سيصرخ للمعتدي لا..

    أمِن أحداقنا تهاجر
    وأنت من الذين تيمّموا بملحِ الارض؟
    مَن إصبعه سيمسح التعبَ عن وجوهنا؟
    أنرثيك صلاةَ غياب؟

    يا رباه……رحماك….منك وإليك راجعون ولكن…..
    الروح مكسوة بالانكسار…

    سيد حسن،
    أتحلّق في ذاكرتنا كطيورِ الريح
    العابرة الى أوصالنا الممزقة..
    أتعيد لمّ شتات الوطن المشتت..
    إجتمعوا بينَ بساتينِ الحصار
    ليهزموا الوغى واغتالوك غدرًا ..
    عرّوا كل الصامتين ومزقوا أشرعتهم الخبيثة..

    سيد حسن…..
    لوّح لنا من عليائك…
    أضئ الشمسَ بأكفك فنحن أيتامٌ أزمنتُنا دونك ليل…..
    سيد حسن…
    هاجر بنا مع الفجرِ قبلَ الوداع، خذنا معك….
    كيف نحمل نعشكَ؟
    كيف نسجيك؟
    كيف نرثيك؟
    خذنا إليك أو عد إلينا….

    حتى في موتك انحنتْ الارضُ تحتَ قدميك…
    صاحت الضاحية لتحمي وجه زينب، ولبى النداء البقاع وبعلبك والجنوب وبيروت وكل لبنان…
    صرخات زرعت أيلول قمحاً..

    قَسمًا بالله العليّ العظيم…
    قَسمًا بالحسين..
    قسمًا بطهرِ عمامتِكَ المرصّعةِ بالوعدِ الصادقِ…
    قسمًا بيدكَ القابضةِ على زنادِ البنادقِ..
    قسمًا بهاديكَ المسجّى بعد أن قاد الفيالق..
    قسمًا بتموز وأيّار وأيلول..
    قسمًا بعماد وفؤاد وجهاد..
    كنت ولا زلتَ أنت القائدُ..

    يا سيد حسن الحاضر الحي..
    يا من على الغياب عصيّ..
    يا قبلةَ الشرفاءِ والأوفياءِ..
    يا شمسًا لن يغيّب أشعتها أقزام الليل وإن اغتالوك ألف مرة..
    يا لغة إنتصار لن تغيرها أبجدية الهزيمة وإن قتلوك ألف مرة..
    يشهد لك تاريخك..ويشهد عليك حاضرك ويشهد عليك موتك أنّك حفيد رسول الله الذي أنبت الكرامة في دواخلنا والذي رفع رؤوسنا والذي أعاد الشرف إلى جبيننا…

    جئتَ من دمعةٍ سُكبت على ثرى الحسين الشهيد..

    أيها العابر من أكبادنا من عنفوانِ التراب..
    ارنُ إلينا لنقرأ التاريخَ من جديد..
    وعهدًا…
    سنصون كربلاء بينَ المُقل
    وليُكتبْ بأننا ممن بُلًغوا ولبُّوا النداءَ..ومَن أكفهم نسجت ثقافة الإنتصار..

    تاريخٌ مِنْ مجدِ المجدِ…
    استحال استشهادك….

    يا وجعنا المسبيّ على ذاكرة العمر المنسيّ….
    فبعدك لا نحن….
    ولا أزمنة ولا أمكنة ولا أوطنة….

    تيتمنا يا سيدنا…..
    كُسرنا يا سيدنا….
    ولكن……..
    على نهجك باقون..
    في أرضنا راسخون..
    ولبنان، وطنٌ، سيخلده التاريخ، بأنه هزم عدو الأديان والإنسان….

  • بنت جبيل: إباء ودماء./ نادين خزعل.

    بنت جبيل: إباء ودماء./ نادين خزعل.

    المكان:بنت جبيل

    الزمان: 22 أيلول

    الحدث: إبادة عائلة

    على خارطة الوطن النازف جنوبًا، استحالت بنت جبيل أرضاً تحتضن دماء الطفولة المزهقة. 

    هو أيلول المجروح المفتوح على فوهة الألم، اخترقت صواريخ العدو السماء، مزقت الصمت، وسحقت براءة الأطفال وأزهقت أرواحهم مع أبٍ حاول حمايتهم، وأبى أن يفارقهم، فقال ارتقاء ما دام لا لقاء.. 

     الأم في لحظة خارجة من مدار العدالة، أصبحت ثكلى وأرملة وجريحة… على الأرض، عيناها الواسعة تبحث عن وجوه أطفالها بين الركام والدخان، تصرخ وتبكي، أين أطفالها؟ أين زوجها؟ لم يبقَ شيء: أشلاء وصمت ووجع..

    طفلة صغيرة كانت تحلم بالمدرسة، بالضحك، باللعب والتلوين، رحلت قبل اكتمال الحلم، قبل نضوج الأمنيات، أخواها مسجيان، جسدان بلا روح، وصمتاً يصرخ في وجدان المدينة، والرحلة إلى اللحد.

    هنا بنت جبيل.. صرخات الأهالي  تمزق الصمت، كل زاوية، كل باب، كل حجر، أصبح شاهداً على ظلمٍ لا يُنسى. كيف لطفولة أن تتحمل الموت بلا ذنب؟ كيف لأحلام بريئة أن تُسحق في لحظة واحدة؟

    وفي الحارات المدمرة، تصدح أصوات الحزن المتشابكة: صرخات الأمهات، صمت الآباء، وبكاء الجيران الذين فقدوا أحباءهم. تبغ الجنوب اختلط بالدخان والرماد، والرجع صدى الضحكات التي سُلبت، وذكريات لم تُكتب بعد، وقلوبٍ تحاول أن تفهم….

    دم الأطفال الأبرياء صار رسالة صامتة للعالم، يقول إن البراءة لا تموت. 

    بنت جبيل اليوم ليست أرض الشهداء والشاهدة على المجزرة، بل هي صرخة من قلب كل مظلوم، نور لكل من يؤمن بأن الطفولة حق، وأن الحياة حق.

    دم الأطفال اليوم، مع دم الأب،مع قوافل الشهداء سيصبح إرادة، صرخة ترتفع فوق الركام والدخان، قوة تعيد بناء ما تهدم، 

     في كل زاوية من الزوايا المحترقة، في كل حجرٍ سقط من جدارٍ دُمر، وفي كل صرخة مكتومة بين الركام، هناك وعد صامت بأن لا تضيع البراءة، وأن دماءهم لن تذهب سدى، وأن بنت جبيل ستبقى نبضاً، وستظل شاهدة على أن البراءة، مهما اغتالها الظالمون، ستظل خالدة في ذاكرة الإنسانية.

    بأي ذنبٍ استشهدوا؟ بذنب وجود كيان محتل غاشم آثم..بذنب تخاذل دولي عربي أممي عن كبح جماح الشيطان، عدو الإنسان والأديان….

    هنا لبنان..هنا الجنوب..هنا بنت جبيل هنا دماء كتبت تاريخ الإباء: 

    – شادي صبحي شرارة 

    – سيلين شادي شرارة 

    – هادي شادي شرارة 

    – اسيل شادي شرارة

  • الأشقر رعى حفل تخريج طلاب مدرسة My New College./ نادين خزعل.

    الأشقر رعى حفل تخريج طلاب مدرسة My New College./ نادين خزعل.

    برعاية وحضور رئيس مصلحة التعليم الخاص الأستاذ عماد الأشقر، احتفلت إدارة مدرسة My New College بتخريج دفعة جديدة من طلابها وذلك بحضور مدير عام مؤسسات أمهز التربوية الأستاذ هشام أمهز ومدير المدرسة الأستاذ  منير طليس و أفراد الهيئتين الإدارية والتعليمية وجموع من أولياء الأمور.

    استُهل الحفل بكلمات ترحيب وفقرات فنية من وحي المناسبة، لتأتي بعدها كلمة الأستاذ عماد الأشقر التي تركزت حول التحديات التي واجهت الطلاب خلال مسيرتهم التعليمية.

    الأشقر، الذي خاطب الطلاب والأهالي والأساتذة بصدق وحرارة، شدّد على أنّ هذا التخرج ليس محطة عابرة، بل هو ثمرة جهد مشترك بين الطلاب الذين واجهوا ضغوطاً استثنائية، والأهل الذين صبروا وساندوا، والمعلمين الذين لم يبخلوا بعلمهم وعطائهم. وأكّد أنّ ما أنجزه هؤلاء الخريجون وسط الأزمات الاقتصادية والمعيشية والأمنية، وفي ظل التهديدات المستمرة من العدو الإسرائيلي، يُعدّ إنجازاً مضاعفاً ورسالة واضحة بأن لبنان، بعلمه وأجياله الصاعدة، أقوى من كل محاولات الترهيب والإحباط.

    كما توقف عند التحديات الاجتماعية التي أرخت بظلالها على الشباب، ومنها وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي والمخاطر المرتبطة بسوء استخدامها ودورها في النيل من وعيهم ومستقبلهم، معتبراً أنّ التربية الحقيقية لا تنحصر في المناهج فقط، بل في بناء جيل محصّن بالقيم والوعي والثقافة والإنسانية، قادر على مواجهة كل ما يهدد إنسانيته.

    وفي ختام كلمته، خصّ الأشقر بالشكر الأساتذة الذين وصفهم بأنهم “الجنود” في معركة التربية، والأهل الذين قدّموا الغالي والرخيص كي لا يحرم أولادهم من حق التعليم، والطلاب الذين أصرّوا على المثابرة رغم الظروف القاسية مضيفًا أن الخريجين هم الأمل وعناوين المستقبل، وتأكيد أنّ لبنان لا يموت، وأن إرادة الحياة أقوى من كل ما يحاول كسرها.”

    كما ألقى كل من الأستاذ هشام أمهز والمدير منير طليس كلمات حيّوا فيها عزيمة الطلاب وأشادوا بجهود المدرسة والهيئة التعليمية في مواكبة المسيرة التربوية، فيما عبّر الطلاب بكلمات وجدانية عن امتنانهم لأهلهم وأساتذتهم. 

    وفي لفتة تقديرية، قدّمت إدارة المدرسة درعاً تكريمياً للأستاذ عماد الأشقر عربون شكر وامتنان على رعايته ودعمه الدائم للمدرسة والطلاب، حيث اعتُبرت هذه المبادرة بمثابة رسالة وفاء لرجل أعطى التربية كل وقته وجهده كما تم تقديم دروع تكريمية  للأساتذة  .

    الاحتفال الذي نظمته السيدة غادة أمهز اختتم بتوزيع الشهادات وسط مشهد مؤثر جمع الأهل والطلاب والأساتذة، في صورة واحدة تختصر معنى التضحية والنجاح، وتؤكد أن العلم سيبقى السلاح الأسمى في وجه كل التحديات.

  • في الضاحية الجنوبية… أيلول طرفه بالحياة مبلول./ نادين خزعل.

    في الضاحية الجنوبية… أيلول طرفه بالحياة مبلول./ نادين خزعل.

    في الضاحية الجنوبية، ليس شهر أيلول هذا العام عاديًا، بل هو احتدام أزمنة تختلط فيها الذاكرة بالنار والركام، بالدمار والموت ولكن على أقانيم الأمكنة تتجدّد الحكاية: حكاية أهالٍ قرّروا أن يحصدوا من قلب الدمار حقول حياة.


    في شوارع الضاحية الجنوبية التي غيرت الحرب معالمها ولم تغير ملامحها، يعود المشهد كما كان دائمًا: أطفال يحملون حقائبهم المدرسية، محال تفتح أبوابها باكرًا، رائحة خبز تسبق خطوات الأمهات، وابتسامات الشباب تملأ الأزقة المزدحمة.

    كل الحملات الإعلامية الموتورة التي توحي بأن الضاحية مدينة خالية، ميتة، منكوبة لا تنهض، تتكسر عند أول مشهد واقعي يلتقطه العابر: حركة السير الخانقة، الزحمة عند أبواب المدارس، الازدحام في الأسواق، ضحكة أطفال يركضون بين الأبنية.
    الضاحية الجنوبية تصدح: نحن هنا، حاضرون، أحياء، وحياتنا أقوى من موتهم.

    أيلول الضاحية مبلول بطرف الحياة، لأن دمعة أمّ لا تعني الاستسلام، بل هي دمعة تنبثق منها القوة، ولأن بيتًا تهدّم بالأمس يعاد بناؤه اليوم، ولأن كل حجر يتساقط من سقف، يقابله حجر جديد يُرفع في ورشة إعمار.

    في الضاحية الجنوبية، الحياة فعل مقاومة يضاهي أعتى مواجهة عسكرية، و الردّ الأبلغ على محاولات العدو فرض اليأس.

    الأحياء التي استهدفت مرارًا، تعود لتزدهر. المقاهي تستقبل روّادها، المؤسسات التجارية تنشط، المدارس تعلن بداية عام دراسي جديد، والطلاب يرفعون كتبهم في وجه كل تهديد. الضاحية لم تنكسر يومًا، بل ازدادت رسوخًا. هي مساحة تصنع معنى الصمود، وتمنح للبقاء قيمة.

    أرادها العدو أرضًا خاوية، فإذا بها مزدحمة بالناس والضحكات. أرادها مدينة للركام، فإذا بها تُعلي من تحت الركام مباني جديدة. أرادها رمادًا، فإذا بها تُزهر شرفات مزدانة بالياسمين والريحان. أراد أن يقتل فيها نبض الحياة، فإذا بها تردّ بأعلى صوت: نحن أبناء الحياة، لا أبناء الموت.

    أيلول في الضاحية الجنوبية ليس محطة بكاء، بل فصل ولادة. يولد فيه الإصرار من رحم الجراح، ويولد فيه الأمل من بين ركام البيوت. الناس هنا لا يعيشون رغم الحرب، بل يعيشون ضد الحرب، يكسرون منطق الموت بالإصرار على الحياة. كل طفل يذهب إلى مدرسته، كل عامل يفتح متجره، كل امرأة تزرع نبتة على شرفتها، هم قصيدة حياة تُكتب بوجه العدوان.

    أيلول الضاحية الجنوبية شاهدٌ على أن هذه الأرض ليست مجرد مكان، بل رسالة بأن الإرادة أقوى من السلاح، وإن الحياة أعمق من الموت. في الضاحية الجنوبية، أيلول طرفه بالحياة مبلول، وسيبقى كذلك ما دام هناك قلب يخفق، وبيت يُبنى، وطفل يحلم، وأهل يصرّون أن يكتبوا بالعرق والدم والدمعة عنوانًا واحدًا: نحن هنا… والحياة لنا.

    هي الضاحية الجنوبية، تتجاوز الجغرافيا لتشمخ في التاريخ:
    دمعة أمّ على صورة شهيد تتحوّل صلاةً،
    أغنية في زحمة السير تختلط بأبواق السيارات،
    لوحة جدارية تعيد رسم وجه الوطن على جدار أُريد له أن يكون أثرًا للخراب.

    في الضاحية الجنوبية…
    الحياة ليست نقيض الموت، بل انتصارًا عليه، هنا لا تُهزم الشوارع ولا تُغلق المدارس، بل يُكتب من كل ألم قصيدةُ عناد.
    هنا، يُعاد تعريف الوجود: أن تبقى رغم كل شيء، أن تبتسم رغم كل شيء، أن تقول بوجه العدو: لن تنجح، لأننا نحب الحياة.

    وهكذا، يبقى أيلول الضاحية الجنوبية طرفه بالحياة مبلول،
    تغسله الدموع والضحكات معًا،
    يُزهر على الأرصفة، في دفاتر التلاميذ، في عيون الأحبة…

    أيلول الضاحية الجنوبية طرفه بالحياة مبلول، كأن الغيم يسجد على ترابها، يبارك دمعةً استحالت نبعًا، وجرحًا أزهر بستانًا.

    هنا، حيث ظنّ العدو أنّ الموت سيُقيم عرشه، انبثقت الحياة كمعجزة.
    كأن الأرض ترفض أن تُدفن، فتشقّ صدر الركام وتُنبت سنابل جديدة.
    كأن الأطفال، بحقائبهم الملوّنة، ملائكةٌ صغار يكتبون على الأرصفة أناجيل الحياة:
    نحن أبناء النور، لا أبناء الظلمة.

    في الضاحية…
    الموت لا يُنهي الحكاية، بل يُكمّلها.
    الدموع لا تُغرق، بل تُطهّر.
    الخراب لا يطمس، بل يكشف جوهرًا أبديًا: أن الوجود فعل مقاومة، وأن الوجود في ذاته صلاة.

    هنا، تذوب الحدود بين الحياة والموت.
    فالشهيد حاضر في ابتسامة ابنه، وصوته يتردّد في أذان الفجر.
    والبيت المهدوم يعود بيتًا، كأن الجدران تعرف أنّ الروح لا تُهزم.
    والشوارع التي ضاقت بالركام، تُفتح اليوم على مصاريعها لتستقبل خطوات المارة كخطوات حجّاج يطوفون حول قدسهم.

    أيلول الضاحية الجنوبية…
    محراب واسع، تتوضأ فيه الأرصفة بندى الصباح.

    في الضاحية الجنوبية…
    الناس لا يعيشون رغم الموت، بل يعيشون بالموت، ومن خلاله، وبوجهه.
    يحوّلون الفناء إلى خلود، والغياب إلى حضور، واليأس إلى رجاء.
    أيلول الضاحية الجنوبية طرفه بالحياة مبلول…
    قطرةً من دمع، قطرةً من مطر، قطرةً من دم…تتجمّع نهرًا، يجري عكس إرادة الموت،ويُعلن للكون أن في الضاحية سرًّا لا يُفنى:
    الحياة، وهي تتوهّج في قلب النار.

    في الضاحية الجنوبية…
    حتى الركام يتلو صلاته صامتًا، ويقول: لا يغلب العدمُ من أحبّ الحياة.

    العدو أراد أن يقطع النبض، فإذا بالنبض يتسع حتى صار كونيًّا.
    أراد أن يطفئ قنديلًا، فإذا بالمدينة كلها تتحوّل مجرّة من أنوار.
    أراد أن يزرع الصمت، فإذا بالأصوات تتردّد تراتيل لا تنتهي:
    الحياة سرّنا، والموت طريقنا، والبقاء وجهنا الآخر.

    في الضاحية الجنوبية…
    الناس لا يعيشون ضد الموت، بل يعبرون من خلاله، يرونه بابًا، لا سدًّا.
    يؤمنون أن كل لحظة ألم هي تجلٍّ للمعنى، وأن كل قطرة دم هي حبّة في مسبحة الوجود.

    أيلول الضاحية الجنوبية…
    قصيدة مكتوبة بحبرٍ من دم ومطر وفقد ووجع..
    وترتيلٌ يتردّد بين السماء والأرض..
    يقول للكون أجمع:
    إننا نحب الحياة حبًّا يجعل الموت نفسه ينهزم،
    وإننا نغرس في حضن الفناء شجرةً خضراء لا يذبل ورقها،
    اسمها الحياة الأبدية.

  • حسومات خاصة على الأقساط المدرسية لأبناء العسكريين.ما التفاصيل؟ / نادين خزعل

    حسومات خاصة على الأقساط المدرسية لأبناء العسكريين.ما التفاصيل؟ / نادين خزعل

    بتوجيهات من وزيرة التربية الدكتورة ريما كرامي التي تعمل بصمت، وبمعية ورعاية رئيس مصلحة التعليم الخاص الأستاذ عماد الأشقر، تم تنظيم لقاء جمع وزير الدفاع الوطني ميشال منسى، ووفد من الهيئة التأسيسية لنقابة المدارس الخاصة في الأطراف ونقابة المدارس الخاصة في البقاع ضم ممثلين عن المدارس من كل المحافظات والمناطق، حيث جرى التداول في قضايا أساسية تعنى بدعم أبناء العسكريين وعناصر قوى الأمن بمختلف أجهزتهم.

    شكّل حضور ورعاية الأستاذ عماد الأشقر مظلّة جامعة ودفعة معنوية كبيرة لهذا المسعى التربوي الوطني، إذ أكّد على أنّ التعليم يبقى حقًا ثابتًا لأبناء حماة الوطن، مهما اشتدت الظروف.

    وخلص اللقاء إلى التوافق على مبادرة تقوم بها المدارس الخاصة، تقضي بتحديد الأقساط المدرسية لأبناء العسكريين وفق آلية ميسّرة، تحاكي ما يحصل عليه موظفو الدولة عبر تعاونية الموظفين مع استثناء بدل النقل واللوازم المدرسية.

    إنّ نقابات المدارس ، إذ تثمّن رعاية الأستاذ عماد الأشقر لهذا اللقاء وتشكر وزير الدفاع الوطني ميشال منسى، تعتبر أنّ هذا التلاقي يشكّل علامة فارقة في تعزيز الشراكة بين الدولة ومؤسّساتها التربوية من جهة، وبين الأجهزة العسكرية والأمنية وعائلاتها من جهة أخرى، بما يعكس تقديرًا راسخًا من قبل إدارات المدارس الخاصة لتضحياتهم في سبيل لبنان وذلك من أجل أن يبقى العلم السلاح الأسمى الذي يقدّم لأبناء العسكريين، عربون وفاء لتضحياتهم من أجل الوطن.

  • في حارة حريك: المكتبة العلمية تنهض من تحت الركام/ نادين خزعل

    في حارة حريك: المكتبة العلمية تنهض من تحت الركام/ نادين خزعل

    كل من ارتاد الضاحية الجنوبية يومًا، أو سكن فيها، يدرك العلاقة الثلاثية الوثيقة بين: الضاحية، حارة حريك، المكتبة العلمية….

    ارتباط في الموروث الوجداني سما عن الحضور المكاني والتواجد الزماني، فباتت المكتبة العلمية دليلًا، وحدودًا، ومعيارًا….

    إلى أين أنت متوجه؟
    قبل المكتبة العلمية…بعد المكتبة العلمية…شارع المكتبة العلمية..قف قرب المكتبة العلمية واتصل بي… نلتقي على رصيف المكتبة العلمية…..
    هكذا حتى العاشر من تشرين الأول 2024….

    ذلك النهار الأسود، غارات الحقد ألهبت النيران، والنيران اندلعت وتهاوى مبنى المكتبة العلمية ومعه صرخات ودموع وأنين….
    الجميع بكى على المكتبة العلمية، كما بكى على الضاحية وعلى لبنان….

    ولكن….
    هنا الضاحية…
    هنا حارة حريك…
    هنا حكايا الصمود….
    هنا حكايا الولادة…
    هنا من الموت تنبثق الحياة….
    هنا “المكتبة العلمية تنهض من تحت الركام”….

    من بين حجارةٍ سوداء أحرقتها نيران الحقد، ومن قلب الركام الذي حاول العدو أن يجعل منه شاهداً على موت الذاكرة، عادت المكتبة العلمية في حارة حريك لتفتح أبوابها من جديد.

    أراد العدو ونجح في أن يهدم جدرانها، أن يطفئ نورها، وأن يحيل رفوفها إلى غبار متناثر… لكنه عجز عن أن يقتل الحلم..

    اليوم، تعود المكتبة لتقول إن العلم لا يُقصف، وإن الثقافة لا تُهدم بصواريخ..

    ظنّ العدو أنّه قد يمحي التاريخ بسواد همجيته وبطشه، ولكن ها هي الصفحات في المكتبة العلمية تعود بيضاء ناصعة، تكتب بمداد الأمل، وتستقبل عشاق المعرفة وطلاب الحقيقة.

    إعادة افتتاح المكتبة العلمية في حارة حريك، مقابل المبنى المدمر، تحمل في طياتها الكثير….
    كأنّ العبور من رصيف إلى رصيف هو عبور نحو الانتصار والاستمرار…
    هو رسالة مقاومة بحد ذاته: أنّ ما يُبنى بالوعي والفكر، لا تهدمه الحروب، بل يزداد صلابة ورسوخاً. فالمكتبة لم تنهض من بين الركام فقط، بل نهضت من بين ذاكرة الألم لتكتب فصلاً جديداً من الصمود، وتزرع في وجدان الأجيال أن القنابل لا توقف العقل، وأن العتمة مهما اشتدت لا تطفئ شعلة المعرفة.

    حارة حريك، أيقونة مناطق الشهادة التي تسجى ترابها بأقدس الشهداء، دفعت ثمناً باهظًا، في العدوان الأخير، و عودة المكتبة العلمية إلى الحياة تُعيد إلى المكان نبضه، وتثبت أنّ الضاحية الجنوبية لا تعرف إلا أن تقوم من جديد، أقوى….

    إنها مكتبة نفضت عنها الغبار، ووقفت شامخة ترفع شعارها: “المكتبة العلمية تنهض من تحت الركام”، لتؤكد أنّ المعركة الحقيقية تبدأ من العقل، وأن الانتصار الأجمل هو حين تنتصر الإرادة….