لا إضراب في المدارس الخاصة غداً ! أعلنت نقابة المعلمين أن يوم الثلاثاء في 23 كانون الثاني ٢٠٢٤ هو يوم…
أخبار محليةعون في ذكرى المرفأ: “القرار الظني ضرورة”… وجرح لبنان لا يندمل
عون في ذكرى المرفأ: “القرار الظني ضرورة”… وجرح لبنان لا يندمل

في الرابع من آب، حين تتوقف ساعات لبنان عند لحظة الانفجار الذي هزّ ضمير العالم قبل ست سنوات، خرج رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بموقف واضح وحازم يُعيد القضية إلى الواجهة بلا مجاملة ولا تلطيف: “القرار الظني بات ضرورة”. ثلاث كلمات تحمل ثقل دم المئتين وخمسة وثمانين شهيداً وآلاف الجرحى وعشرات آلاف المشرّدين، وتُؤكد أن الدولة اللبنانية لم تنسَ وإن كان بعضهم يريدها أن تنسى.
الرابع من آب: جرح لا يندمل
تابع HOSTNEWS على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
في الساعة السادسة وسبع دقائق و43 ثانية من مساء الرابع من آب 2020، انفجر مرفأ بيروت بقوة زلزال اصطناعي هزّ لبنان من أقصاه إلى أقصاه. مئتان وخمسة وثمانون شهيداً، وأكثر من ستة آلاف جريح، وثلاثون ضحية لا تزال مفقودة حتى اليوم، وحي بيروتي بأكمله تحوّل إلى أنقاض. انفجار خُزّن فيه 2750 طناً من نترات الأمونيوم في العنبر رقم 12 لسنوات بعلم مسؤولين ودون أن يتحرك أحد، وهو ما يجعل الكارثة جريمة في جوهرها لا مجرد حادث.
ست سنوات مرّت والجرح لا يندمل، ليس لأن الوقت لا يشفي بل لأن الإفلات من العقاب يُعيد فتح الجرح في كل ذكرى. فعائلات الضحايا التي تنتظر محاسبة المتسببين في قتل أحبائها لا تستطيع أن تحزن وتمضي ما دام الحزن لا يُفضي إلى عدالة. وهذا بالضبط ما تُطالب به منذ ست سنوات بأعلى الأصوات وأوجعها.
عون يُعيد المحاكمة إلى الأجندة
وفي هذا السياق يأتي موقف الرئيس عون ليُشكّل إضافةً نوعية مهمة إلى مسار التحقيق المتعثر. فحين يُعلن رئيس الجمهورية أن “القرار الظني بات ضرورة”، فإنه يُوجه رسالة واضحة إلى الجهاز القضائي اللبناني مفادها أن السلطة التنفيذية العليا في البلاد لا تقبل استمرار هذا التعثر، وأن المصلحة الوطنية تستوجب الإسراع في استكمال الإجراءات القانونية اللازمة لإصدار القرار الظني.
وتتجاوز أهمية هذا التصريح مجرد الدعم الأدبي والمعنوي للقضاء، إذ يُشكّل في السياق اللبناني رسالة سياسية بالغة الدلالة في ظروف يتعرض فيها التحقيق لضغوط متواصلة وعراقيل متعمدة ومحاولات للتشكيك في مشروعية المحقق العدلي ونزاهته.
مسيرة تحقيق شائكة
ولفهم ما يعنيه إعلان عون لا بد من استيعاب المسيرة الشائكة لتحقيق انفجار المرفأ. فمنذ اليوم الأول بعد الانفجار، واجه التحقيق حصاراً ممنهجاً من قبل المتهمين وحلفائهم السياسيين الذين وظّفوا كل الأدوات المتاحة لعرقلته: من طعون بمشروعية المحقق القضائي القاضي طارق البيطار، إلى استصدار قرارات قضائية تمنعه من مزاولة مهامه، إلى تهديده شخصياً، إلى رفض الوزراء والمسؤولين المتهمين المثول أمامه.
وقد تعاقب على رئاسة التحقيق قاضيان قبل البيطار، وكلّ منهما اصطدم بالجدار السياسي نفسه الذي يحول دون تقدّم العدالة. وأسماء عديدة من كبار المسؤولين اللبنانيين وُجّهت إليهم اتهامات بالإهمال والتقصير وعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة لإزالة المواد الخطرة من المرفأ، وهي اتهامات يرفضها أصحابها ويسعون إلى تحصين أنفسهم منها بكل الوسائل المتاحة.
ما هو القرار الظني وما أهميته؟
القرار الظني هو القرار الذي يُصدره المحقق العدلي في نهاية التحقيق الابتدائي، ويُحدد فيه هوية المتهمين وطبيعة التهم الموجّهة إليهم والأدلة القائمة ضدهم، قبل إحالة القضية إلى المحاكمة الفعلية. وإصدار هذا القرار يعني الانتقال من مرحلة التحقيق إلى مرحلة المحاكمة، وهو ما يستلزم أن يمثل المتهمون أمام القضاء ليواجهوا التهم الموجّهة إليهم.
وقد أعلن القاضي البيطار في مناسبات عدة استعداده لإصدار هذا القرار، غير أن العراقيل القانونية والإجرائية التي رُفعت في وجهه حالت دون ذلك. وجاء كلام عون ليُؤكد أن الطريق نحو هذا القرار يجب أن يُفتح، وأن استمرار التعطيل لم يعد مقبولاً.
عائلات الضحايا: ست سنوات من الانتظار
وفي ذكرى الرابع من آب، تعود عائلات الضحايا إلى الواجهة بقلوب ممزّقة وإرادة لا تنكسر. ست سنوات من الانتظار لم تُخمد غضبهم ولم تُضعف إصرارهم، بل زادتهم تصميماً على المطالبة بالعدالة التي يرون فيها الطريق الوحيد لإعطاء وفاة أحبائهم معنىً ولمنع تكرار الكارثة في المستقبل.
ويُجسّد إعلان عون اليوم دعماً للعائلات التي طالما شعرت أنها تقف وحدها في مواجهة منظومة سياسية تسعى إلى طيّ الصفحة وإغلاق الملف. وحين يُعلن رئيس الجمهورية أن القرار الظني “ضرورة”، فإنه يُرسل رسالة طمأنينة إلى هؤلاء مفادها أن الدولة لا تتخلى عنهم وأن مطالبهم ليست مطالب في الفراغ.
لبنان أمام اختبار المحاسبة
وتبقى قضية انفجار المرفأ اختباراً مصيرياً لقدرة الدولة اللبنانية على تجاوز ثقافة الإفلات من العقاب التي نخرت مؤسساتها. فإذا أفلت المتسببون في أكبر انفجار غير نووي في التاريخ من المحاسبة، فإن ذلك سيُرسّخ قناعة راسخة لدى اللبنانيين بأن المسؤولين فوق القانون، وهو ما يُقوّض أي مسعى لإعادة بناء ثقة المواطن بدولته. أما إذا أُصدر القرار الظني وجرت المحاكمات وصدرت أحكام عادلة، فستكون تلك بداية حقيقية لاستعادة هيبة الدولة ومصداقيتها.
وفي المحصلة، الرابع من آب ليس ذكرى فحسب، بل هو امتحان سنوي للضمير اللبناني وللإرادة السياسية في تحقيق العدالة. وكلام عون اليوم يقول بوضوح: لبنان لن ينسى، والعدالة لن تموت بالتقادم.



