
ما بعد الهدنة: تفكّك الاستراتيجيات وصعود معادلة اللااستقرار في الشرق الأوسط
محمد حسن سعد
بعد أشهر على وقف إطلاق النار في غزة، يتأكد يوماً بعد يوم أن المنطقة لم تدخل طور الاستقرار، وأن ما بدا نهاية لجولة من العنف لم يكن سوى استراحة قصيرة بين أزمات مفتوحة. فالمشهد الإقليمي بأسره يتحرك اليوم على إيقاع توترات متراكمة، بينما تبدو “إسرائيل” غارقة في معادلة معقدة: إنجازات عسكرية لم تترجم إلى مكاسب سياسية، وحلفٌ أميركي بات أكثر اضطراباً وتقلّباً من أي وقت مضى.
الإدارة الأميركية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، تمارس سياسة خارجية تدار بمنطق ردّ الفعل أكثر مما تبنى على رؤية واضحة. وكل الأطراف الإقليمية، من السعودية إلى تركيا وقطر، تتعامل بحذر مع مركز القرار في واشنطن، خشية انعطافة مفاجئة من البيت الأبيض تقلب الحسابات بين ليلة وضحاها.
أما إسرائيل، التي طالما اعتبرت نفسها الشريك الأكثر تأثيراً على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، فتجد اليوم أن أولويات ترامب الاقتصادية والسياسية تتقدم على مصالحها الأمنية.
وفي هذا السياق، تعود الساحة اللبنانية إلى الواجهة بوصفها إحدى أكثر الجبهات حساسية. فبعد الضربات القاسية التي تلقّاها حزب الله خلال العام الماضي، والتي بدت حينها كأنها تمهد لتغيير جذري في موازين القوى، عاد الحزب تدريجياً إلى بناء قدراته وإعادة تنظيم صفوفه، ما جعل “إسرائيل” أمام واقع مغاير تماماً لما توقعته.
ومع ارتفاع وتيرة الغارات الإسرائيلية في الأسابيع الأخيرة، يتصاعد الحديث في “تل أبيب” عن احتمال لجولة “أيام قتال” تهدف إلى فرض قيود جديدة على الحزب، في ظل حسابات داخلية لا يمكن تجاهلها لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي يستعد لانتخابات مصيرية.
أما في غزة، فالوضع لا يقل تعقيداً. القوة الدولية التي أُعلن عنها ما تزال غامضة في تشكيلها ومهماتها، والمساعدات الإنسانية تواجه عراقيل دائمة، بينما تستعيد حركتي حماس والجهاد الإسلامي جزءاً كبيراً من قدراتهما العسكرية.
وتبدو واشنطن، التي ترسم إطار التسوية، عاجزة عن بلورة آلية تنفيذية قابلة للصمود. كل ذلك فيما يستمر التوتر الإيراني – الإسرائيلي على خلفية الملف النووي، من دون أفق لاتفاق يعيد ضبط المشهد.
الأزمة داخل الجيش الإسرائيلي تضيف طبقة جديدة من التعقيد: نقص في القوى البشرية، تراجع في مخزون الذخيرة، وإرهاق متزايد في صفوف الاحتياط. وفي ظل هذا الواقع، تتحدث المؤسسة العسكرية عن ضرورة الاستعداد لحروب استنزاف متعددة الجبهات، في وقت تحتاج فيه “إسرائيل” إلى تجديد قدراتها وإعادة التفكير في استراتيجياتها المقبلة.
هكذا، يتشكل مشهد إقليمي بالغ الحساسية، لا حرب فيه كاملة ولا سلام مستقرّ. المنطقة تتحرك فوق أرض رخوة، والأطراف جميعها تتقدم بحذر وسط حسابات سياسية متشابكة. وبينما تتجه الأنظار إلى إسرائيل لمعرفة شكل المواجهة المقبلة، يبقى السؤال المركزي: هل تملك القوى الكبرى خطة واضحة للمنطقة، أم أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة تُدار باللحظة والمزاج، لا بالاستراتيجيات والرؤى بعيدة المدى؟






