
أهلاً وسهلاً بالبابا ولكن…./ هادي بزي

شهد لبنان يوماً استثنائياً حين توحّد شعبه، بكل طوائفه، لاستقبال البابا. لم يكن المشهد عادياً: المسلمون قبل المسيحيين احتشدوا على الطرقات، وفرش الناس طريق المطار وجسر المطار بالأعلام والزهور، في صورة قلّما تتكرّر في هذا الوطن المتعب.
كان الجميع يلوّحون ترحيباً بضيف روحي عالمي، جاء يحمل رسالة سلام وأمل.
لكن خلف هذا المشهد المذهل، بقي سؤال كبير معلّق في الوجدان:
كيف لشعبٍ يستقبل ضيفاً بكل هذا الحب، أن يُذكَّر بعد ساعات فقط بأن فئات واسعة منه تُعامل كـ”درجة ثانية”؟
كيف يمكن لأبناء وطن واحد أن يشعروا بأنهم “لا يشبهون” غيرهم أو أنهم “ذنب زائد”، بينما كانوا لحظة الاستقبال صفاً واحداً، يهتفون بفرح صادق لا يشوبه أي تمييز؟
تجلّى ذلك التناقض في التفاصيل الصغيرة أيضاً. فالبابا، المعروف باستخدامه سيارة «باباموبايل» ليقترب من الناس، لم يستعملها هذه المرّة فورًا.
بقيت السيارة تنتظره في بعبدا، بعيداً عن الطرقات التي اكتظّ عليها الناس من كل المشارب. كأنّ المشهد مُقسّم مسبقاً بين من يُسمَّون “أشخاص الدرجة الأولى”، ومن بقي خارج الإطار، رغم أنّ الترحيب الذي أظهره الجميع كان واحداً.
وكلّ ذنب هؤلاء الذين تُصنَّف مناطقهم وأصواتهم ووجودهم في خانة “الدرجة الثانية”، أنّهم مقاومون يدافعون عن أرضهم وعِرضهم.
ذنبهم أنّهم حملوا العبء الأكبر حين تخلّى العالم، ووقفوا في وجه الخطر عندما كان الوطن كلّه مهدَّداً.
ذنبهم أنّهم لم يساوموا على سيادته ولا على كرامته، فصاروا موضع نقاشٍ دائم بدل أن يكونوا موضع تقدير، مع أنّ تضحياتهم هي التي حفظت الحدود وأمّنت الأمن لكل أبناء هذا الوطن بلا استثناء.
إن استقبال البابا بهذه الحفاوة كان دليلاً على أن اللبنانيين قادرون على تجاوز الانقسامات عندما يريدون، وأنهم يعرفون كيف يكرّمون الضيف ويُظهرون أجمل ما فيهم.
لكنّ ذلك اليوم نفسه كان أيضاً مرآة صادقة تعكس حقيقة مؤلمة: المساواة في هذا البلد لا تزال شعاراً أكثر منها واقعاً، والوحدة التي تظهر في اللحظات الكبيرة لا تكفي إن لم تُترجَم احتراماً، عدلاً، وسياسةً عادلة في كل يوم.
زيارة البابا كانت فرصة ذهبية لإثبات أنّ كل اللبنانيين، بلا استثناء، يستحقون المكانة نفسها والاحترام نفسه.
وما زال الأمل قائماً بأن تتحوّل تلك اللحظة الجامعة إلى بداية مسارٍ طويل ينهي التمييز، ويعيد لكل مواطن شعوره الطبيعي بأنّه في هذا الوطن… درجة أولى.
ولم يكن الغياب محصوراً بالتفاصيل البروتوكولية فقط، بل بالمكان أيضاً. إذ لم تشمل الزيارة أي محطة في الجنوب الصامد؛ الجنوب الذي دفع أثمان الحروب، وصنع بدمائه أمناً لهذا الوطن كلّه.
لم يصل الموكب إلى صور، المدينة التي حوّلت صمودها إلى تاريخ محفور في الذاكرة.
ولا إلى مغارة قانا الجليل، التي حملت رسائل روحية وإنسانية عبر الزمن.
ولا إلى رميش، القرية التي شكّلت نموذجاً للتماسك الأهلي والمقاومة والصبر.
وكأنّ الجنوب، بكل رموزه وتضحياته وأهله، بقي خارج خريطة الزيارة… رغم أنّه كان، وما زال، في صميم هوية هذا الوطن وفي خط الدفاع الأول عنه.
أهلاً وسهلاً منقوصة في وطن ما زال مثخنًا بالكثير من الجراح.







