
سيناريو الاغتيال: حين يُصبح التحذير إعلاناً مسبقاً عن الجريمة

كتب د. وسيم جابر في 10.12.2025
المقدمة: الدرس الذي لم يتعلموه من مساء 8 كانون الأول
مساء الثامن من كانون الأول 2025، حدث ما لم يكن في الحسبان: الوعي الجماعي في لبنان أفشل مُخططاً استغرق التحضير له أسابيع. استفزازات منظمة في صيدا وبيروت ، احتفالات بسقوط الاسد ورايات “سوريا الجديدة”، اشتباكات بالعصي والحجارة، محاولة واضحة لإشعال فتنة – لكن الجيش اللبناني تدخل بحزم (“يضرب ويطرد”)، مناصرو المقاومة تجمعوا في الضاحية الجنوبية لا في شوارع الآخرين، حملة اعتقالات واسعة، قرار سياسي-أمني حاسم. بضعُ ساعات أفشلت ما استغرق التخطيط له شهوراً.
لكن في اليوم التالي، 9.12.2025، جاء ما يكشف أن الفشل لم يعنِ التوقف – بل التكيف والانتقال للسيناريو الأخطر. تحذير إسرائيلي غريب: “احتمال كبير لاغتيال الجولاني على يد عناصر داخلية”، ثم جملة أكثر غرابة وأشد وضوحاً: “في إسرائيل يستعدون لذلك، وقد يعزز ذلك سيطرتنا على الأرض”.
هذه الجملة الأخيرة ليست تحذيراً – بل اعتراف مسبق بالنية. حين تقول اي دولة إن اغتيال حليفها “قد يعزز سيطرتها”، فهي لا تُحذّر منه – بل تُعلن عنه مسبقاً. ما أكتبه هو أحد السيناريوهات الأخطر في المشروع كله: حين يتحول الفشل في مساء 8/12/2025 إلى مقدمة لاغتيال الجولاني واستخدام جثته كسلاح ضد لبنان.
من فشل إلى سيناريو الاغتيال: المنطق البارد
ما حدث مساء 8.12.2025 كان اختباراً للأرضية: هل يمكن إشعال فتنة لبنانية-لبنانية بسهولة؟ الجواب جاء واضحاً: لا. الوعي أقوى من الاستفزاز، الجيش سريع التدخل، المقاومة منضبطة استراتيجياً. السيناريو الأول (إشعال الداخل اللبناني) فشل بوضوح.
لكن المشاريع الاستعمارية الكبرى لا تستسلم بعد فشل واحد – بل تنتقل للسيناريو الأخطر. وهنا يدخل سيناريو اغتيال الجولاني. لماذا يُصبح هذا السيناريو “منطقياً” بعد الفشل؟
السبب الأول – البحث عن استفزاز أعمق: الاحتفالات بالجولاني لم تُشعل ما يكفي من الغضب. لكن اغتياله واتهام المقاومة سيُشعل غضباً أكبر بكثير – خصوصاً من عشرات الآلاف من النازحين السوريين في لبنان.
السبب الثاني – تحويل الفشل إلى نجاح: الاستفزازات فشلت لأن اللبنانيين رفضوا الانجرار. لكن إذا اغتيل الشرع واتُهمت المقاومة، السوريون هم من سينجرون للانتقام وتحديداً الخلايا النائمة – وهذا أسهل بكثير من تحريك اللبنانيين ضد بعضهم.
السبب الثالث – الذريعة الأقوى: فتنة لبنانية-لبنانية يعني تدخل دولي صعب. لكن “مجزرة ضد نازحين سوريين” تعني تدخل دولي فوري بذريعة “حماية المدنيين”.
السبب الرابع – الجدول الزمني: “معاريف” أعلنت: “تحرك عسكري إسرائيلي بعد الأعياد لاستكمال نزع السلاح”. أي: نهاية كانون الأول – بداية كانون الثاني. اغتيال الشرع في هذا التوقيت يُعطي الذريعة المثالية للتحرك العسكري المُعلن مسبقاً.
لماذا قد تغتال إسرائيل حليفها؟ حساب الأرباح والخسائر
السؤال يبدو غريباً: لماذا تغتال إسرائيل الجولاني وهو ينسّق معها؟ الجواب في الجملة الفاضحة نفسها: “قد يعزز ذلك سيطرتنا”. حين تعترف إسرائيل بأن موت حليفها “يعزز سيطرتها”، فهي تُعلن بوضوح: قيمته ميتاً أكبر من قيمته حياً.
حياً، الشرع:
• أداة تنسيق مع واشنطن وتل أبيب
• لكنه هش (إضراب العلويين ، توترات مع قصد ، خسر الجنوب وارتكب مجازر بحق الدروز والعلويين في الساحل)
• غير موثوق تماماً لدى الكيان
• مُكلف سياسياً (نتنياهو يراه “معادياً”)
ميتاً، الشرع يُصبح:
• ذريعة للفوضى في سوريا = إسرائيل تتوسع “لحماية حدودها”
• سلاحاً ضد لبنان = “الحزب اغتاله” = تحريك عشرات الآلاف من النازحين للانتقام
• ذريعة للتدخل الدولي = “حماية النازحين السوريين من بطش المقاومة”
• براءة مُسبقة = “نحن حذّرنا، إذن لم نفعل، بل فعلتها المقاومة كما توقعنا”
الحساب الاستراتيجي البارد: موته يحل ثلاث مشاكل دفعة واحدة (سوريا، لبنان، الرأي العام الدولي)، بينما حياته تحل مشكلة واحدة فقط (التنسيق). رياضياً، الموت أكثر ربحاً.
السيناريو المرسوم: سبع خطوات من الاغتيال إلى الاحتلال
الخطوة الأولى – الاغتيال :
عملية دقيقة تُنفذ بأسلوب مُعقد. و التوقيت محسوب بدقة رياضية:
• بعد فشل المحاولة الداخلية اللبنانية (8 كانون الأول) = يُصبح “البديل المنطقي”
• قبل العملية العسكرية المُعلنة (بداية كانون الثاني) = يُعطي الذريعة المثالية لها
• خلال فترة الأعياد = غطاء إعلامي خفيف، العالم منشغل
الخطوة الثانية – الاتهام الفوري (خلال ساعات من الاغتيال):
حملة إعلامية دولية ضخمة جاهزة مسبقاً
• “الحزب اغتال الشرع انتقاماً لسوريا الأسد”
• “المقاومة تُصفي حلفاء الغرب”
• “إرهابيون يقتلون رجل السلام والقائد العظيم “أحمد” كما احب أن يناديه ترامب”
الدليل على التحضير المسبق: حملة بهذا الحجم تحتاج أسابيع من الإعداد (مقاطع…
…الخطوة الثالثة – تحريك النازحين في لبنان (خلال 24 ساعة):
عشرات الآلاف من السوريين في لبنان يُحرّضون عبر:
– شبكات التواصل (صفحات جاهزة تنشر: “المقاومة قتلت الشرع، يجب الانتقام”)
– وسائل الإعلام (قنوات عربية موالية للشرع تبث على مدار الساعة)
– شبكات محلية (خلايا منظمة تُحرك الحشود)
النتيجة المطلوبة: مظاهرات غاضبة في كل المناطق التي فيها نازحون، استفزازات أعنف بعشرات المرات من 8 كانون الأول، محاولات اقتحام أحياء شيعية، هدف واحد واضح: إجبار اللبنانيين على الرد.
الخطوة الرابعة – الاشتباك المطلوب (القلب النابض للمخطط):
هذا هو الهدف الحقيقي الوحيد من كل السيناريو: إجبار اللبنانيين على الاشتباك مع السوريين. الاستفزاز سيكون أعنف بمئة مرة من 8 كانون الأول: اقتحامات، اعتداءات، تهديدات مباشرة. الهدف: جعل “عدم الرد” مستحيلاً.
إذا حدث الاشتباك (ولو دفاعاً عن النفس) = الفخ يُغلق:
– مقتل سوريين (حتى لو قلة) = تضخيم إعلامي هائل
– صور ومقاطع (بعضها حقيقي، معظمها مفبرك ومُزيّف بالذكاء الاصطناعي) تُنشر عالمياً
– “مجزرة ضد النازحين”، “المقاومة تُصفي السوريين”
الخطوة الخامسة – القرار الدولي (48-72 ساعة):
• مجلس الأمن يجتمع طارئاً
• قرار أممي “لحماية المدنيين السوريين في لبنان”
• فرنسا وأمريكا تقودان الحملة (مُحضرة مسبقاً)
• دعوات لـ”تدخل إنساني عاجل”
الخطوة السادسة – التدخل العسكري (تحت غطاء “إنساني”):
• قوات “دولية” تدخل بذريعة “حماية النازحين”
• إسرائيل تتوسع “لحماية حدودها من الفوضى”
احتلال ناعم بغطاء أممي كامل
الخطوة السابعة – نزع السلاح القسري:
تحت الاحتلال “الإنساني”، يُفرض “نزع سلاح كل الميليشيات” بحجة “حماية المدنيين”. الهدف الوحيد الحقيقي: المقاومة. كل السيناريو من أوله لآخره لهدف واحد: نزع سلاح المقاومة بذريعة دولية.
التحليل الرياضي للتوقيت: الدقة المخيفة
السؤال الأول: لماذا التحذير من اغتيال الشرع جاء في 9 كانون الأول بالضبط (اليوم التالي مباشرة لفشل 8 كانون الأول)؟
الجواب: لأن التحذير يحتاج فترة حضانة في الوعي العام. إذا حدث الاغتيال في كانون الأول (التوقيت الأرجح)، يكون التحذير قد صدر قبل بضعة أسابيع. هذه المدة:
• كافية لنشر التحذير إعلامياً على نطاق واسع
• كافية لبناء “سردية متوقعة” (الجميع كان يتوقع
• تجعل الاتهام “منطقياً” (نحن حذّرنا وحدث بالفعل)
قصيرة بما يكفي لئلا ينسى الناس التحذير
السؤال الثاني: لماذا التوقيت المحتمل هو كانون الأول بالضبط؟
الجواب: لأنه نقطة التقاطع المثالية بين ثلاثة عوامل:
– بعد فشل 8 كانون الأول بوقت كافٍ = يبدو “البديل المنطقي”
– قبل “بعد الأعياد” (1 كانون الثاني) بوقت كافٍ = يُعطي الذريعة للعملية العسكرية المُعلنة
– خلال فترة الأعياد = غطاء إعلامي خفيف، انشغال عالمي
السؤال
الثالث: لماذا الإعلان عن “تحرك عسكري بعد الأعياد” جاء في 9 كانون الأول أيضاً؟
الجواب: لأن الإعلان عن التحرك + التحذير من اغتيال الشرع في اليوم نفسه يعني شيئاً واحداً: السيناريوان مرتبطان. اغتيال الشرع = الذريعة للتحرك العسكري. الإعلان عنهما معاً = اعتراف بالربط.
كيف يُفشَل هذا السيناريو؟ دروس من مساء 8 كانون الأول
الدرس الأول – الوعي المسبق:
ما أفشل السيناريو في 8 كانون الأول هو أن الناس فهموا اللعبة قبل اكتمالها. نشر هذا السيناريو بالتفصيل الآن = إفشاله قبل تنفيذه. من يعرف الفخ بالتفصيل يستطيع تجنبه.
الدرس الثاني – الانضباط الحديدي:
ما أنقذ لبنان في 8 كانون الأول هو انضباط المقاومة: تجمعوا في مناطقهم، لم ينجروا للشوارع، رفضوا الاستفزاز. هذا الانضباط يجب أن يتضاعف إذا حدث اغتيال الشرع.
الرسالة الحاسمة: مهما حدث، مهما كان الاستفزاز قاسياً، مهما كانت الاتهامات ظالمة – لا انجرار لأي اشتباك مع السوريين او بعض المُطبعين في لبنان. لأن الاشتباك = إكمال السيناريو بأيديكم.
الدرس الثالث – دور الجيش:
ما أنقذ لبنان في 8 كانون الأول هو تدخل الجيش السريع والحاسم. إذا حدث اغتيال الشرع، دور الجيش سيكون أخطر بمئة مرة: حماية السوريين واللبنانيين معاً، منع أي اشتباك، إفشال أي محاولة لإشعال الفتنة.
الدرس الرابع – الكشف الفوري:
إذا حدث الاغتيال، الكشف الفوري عن السيناريو المرسوم على أوسع نطاق = إفشال باقي الخطوات. نشر هذا التحليل، فضح المخطط، كشف الحملة الإعلامية المُحضرة مسبقاً.
الدرس الخامس – حماية السوريين:
الرسالة للنازحين السوريين: أنتم لستم أعداءنا. أنتم أداة يُراد استخدامها ضدنا وضدكم معاً. حمايتكم من أن تُستخدموا = حماية لنا جميعاً. لا تنجروا للانتقام – الشرع إن إغتيل، فإنه إغتيل على يد من صنعوه….
…الانضباط و التدخل الحاسم وهذا ما إفشل المخطط. السيناريو كان مُحكماً، التحضير استغرق أسابيع، التنسيق كان على أعلى المستويات – لكنه فشل في ساعات.
في اليوم التالي (9 كانون الأول)، جاء ما يكشف الانتقال للسيناريو الأخطر: التحذير من اغتيال الجولاني مع الجملة الفاضحة “قد يُعزز سيطرتنا”. هذا ليس تحذيراً – بل إعلان مسبق عن الجريمة. والتوقيت الدقيق (اليوم التالي مباشرة لفشل المحاولة الأولى) يكشف التكيف السريع والانتقال للبديل الأخطر.
السيناريو واضح الآن بوضوح الشمس: اغتيال الشرع → اتهام المقاومة فوراً → تحريك عشرات الآلاف من النازحين للانتقام → إجبار اللبنانيين على الاشتباك → “مجزرة ضد النازحين” → قرار دولي → تدخل “إنساني” → احتلال → نزع سلاح قسري. كل خطوة محسوبة، كل توقيت مدروس، كل تفصيل مرسوم.
لكن المعرفة المسبقة سلاح، كما أثبت مساء 8 كانون الأول. من يعرف السيناريو بالتفصيل قبل تنفيذه يستطيع إفشاله. ومن يفهم أن الفخ يعتمد على ردة الفعل يستطيع نزع فتيله بـعدم الرد.
الرسالة الأخيرة الحاسمة:
إذا حدث اغتيال الشرع في الأسابيع القادمة – تذكروا هذا المقال جيداً:
• لا تنجروا مهما كان الاستفزاز قاسياً
• لا تصدقوا الاتهامات مهما كانت ضخمة
• احموا السوريين لأنهم أداة يُراد استخدامها
• اكشفوا المخطط فوراً على أوسع نطاق
• ثقوا بالجيش الوطني اللبناني ليحمي الجميع
مساء 8 كانون الأول أثبت: الوعي أقوى من المخطط. والأسابيع القادمة ستُثبت: من يعرف الفخ بالتفصيل، لا يسقط فيه مهما كان مُحكماً.






