هل من علاقة بين الزلازل والطقس؟ جدّدت مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية Lari التأكيد أن “لا علاقة للزلازل بالطقس”، وقالت في…
مقالاتبعد 40 عاماً… هل تعود الرحلات المباشرة بين أمريكا ولبنان؟
بعد 40 عاماً… هل تعود الرحلات المباشرة بين أمريكا ولبنان؟

في أجواء الزيارة التاريخية للرئيس اللبناني العماد جوزاف عون إلى واشنطن، أولى قمة لبنانية أمريكية منذ أربعين عاماً، طفا على السطح سؤال يبدو للوهلة الأولى تقنياً وإجرائياً لكنه في عمقه يحمل دلالات سياسية وإنسانية بالغة الأهمية: هل حان الوقت لعودة الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان بعد انقطاع دام أكثر من أربعة عقود متواصلة؟
أربعون عاماً من القطيعة الجوية
تابع HOSTNEWS على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
توقفت الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان في أوائل الثمانينيات على خلفية الحرب الأهلية اللبنانية وما رافقها من فوضى أمنية وعمليات اختطاف طائرات وتصاعد الإرهاب الدولي. وقد رأت السلطات الأمريكية في ذلك الوقت أن المخاطر الأمنية المرتبطة بالمطارات والمسارات الجوية اللبنانية تجعل استمرار الرحلات المباشرة أمراً يفوق التحمل.
منذ ذلك الحين، بات المسافر بين البلدين مضطراً إلى قطع الرحلة في عاصمة أوروبية أو خليجية، مما يُضيف ساعات طويلة إلى وقت السفر ويُضاعف تكاليفه، ويُشكّل عبئاً حقيقياً على ملايين المغتربين اللبنانيين في أمريكا الذين يُقدّر عددهم بأكثر من 600 ألف شخص في الولايات المتحدة وحدها، فضلاً عن مئات الآلاف من الأمريكيين من أصول لبنانية الذين يُحافظون على علاقة وثيقة بوطنهم الأم.
لماذا الآن؟ ما الذي تغيّر؟
تتضافر عدة عوامل لتجعل هذا التساؤل أكثر إلحاحاً وأقرب إلى التحقق في المرحلة الراهنة أكثر من أي وقت مضى. أبرزها أن زيارة عون لواشنطن فتحت باباً واسعاً لمباحثات ثنائية شاملة تتجاوز الملفات الأمنية والسياسية لتشمل التعاون الاقتصادي والتنموي، وملف الطيران المدني يندرج بطبيعته في هذا الإطار الأشمل.
كما أن الانفتاح الأمريكي الجديد على لبنان في عهد حكومة نواف سلام التي تُقدّم نفسها حكومةً ذات مصداقية وإصلاحية، يُعطي واشنطن مبرراً سياسياً لمكافأة هذا التوجه بخطوات ملموسة تُعزز العلاقة الثنائية على المستوى الشعبي والإنساني لا الأمني فحسب. ولعل استعادة الرحلات المباشرة ستكون واحدة من أبرز هذه الخطوات الرمزية والعملية في آنٍ معاً.
ما الشروط الأمريكية لاستعادة الرحلات؟
لا تعمل الرحلات الجوية المباشرة بمعزل عن المنظومة الأمنية التي تُحكم واشنطن قبضتها عليها. وتشترط إدارة أمن المواصلات الأمريكية TSA للسماح بأي رحلة مباشرة إلى أراضيها جملةً من المتطلبات الأمنية الصارمة تشمل: مستوى أمن المطار المغادر ومدى استيفائه للمعايير الدولية، وكفاءة إجراءات فحص الركاب والأمتعة، وجودة أجهزة الكشف عن المتفجرات، ومستوى التدريب الأمني للكوادر البشرية العاملة في المطار.
ويُعدّ مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت قد شهد تحسينات ملموسة في بنيته التحتية ومستوى خدماته خلال السنوات الأخيرة، غير أن الوصول إلى المعايير الأمريكية الصارمة يستلزم استثمارات إضافية وإجراءات تحديث شاملة. ويرى خبراء الطيران أن الفجوة بين الوضع الراهن للمطار ومتطلبات إدارة TSA قابلة للردم بإرادة سياسية وموارد مالية مناسبة.
الجالية اللبنانية الأمريكية: المستفيد الأكبر
ومن لا تكتمل الصورة دون الحديث عنه هم ملايين اللبنانيين وأبناء الجالية في الولايات المتحدة الذين سيكونون المستفيدين الأكبر من استعادة الرحلات المباشرة. فالرحلة المباشرة بين نيويورك وبيروت أو بين لوس أنجلوس وبيروت ستختصر ساعات من الانتظار في المطارات الوسيطة وستُخفّض التكلفة الإجمالية للتذكرة وستُجعل السفر إلى لبنان أكثر سهولةً وإقبالاً.
وتُقدّر الجاليات اللبنانية في الولايات المتحدة بأرقام مختلفة تتراوح بين 600 ألف ومليوني شخص وفق طريقة الاحتساب المعتمدة، ويُشكّل هؤلاء جسراً بشرياً واقتصادياً وثقافياً بالغ الأهمية بين البلدين. وتُشير الإحصاءات إلى أن تحويلات المغتربين اللبنانيين من الولايات المتحدة تُمثّل رافداً اقتصادياً جوهرياً للاقتصاد اللبناني يتجاوز في سنوات عديدة قيمة الصادرات اللبنانية الرسمية.
البُعد الاقتصادي: السياحة والاستثمار
وتتجاوز أهمية استعادة الرحلات المباشرة مجرد تسهيل تنقل المغتربين، لتطال قطاع السياحة الذي يُشكّل ركيزة أساسية للاقتصاد اللبناني. فالسائح الأمريكي الذي كان يتردد قبل اتخاذ قرار زيارة لبنان بسبب تعقيد الوصول، سيجد في الرحلة المباشرة حافزاً إضافياً للإقدام على هذه الخطوة. وتاريخياً كان لبنان يستقطب أعداداً كبيرة من السياح الأمريكيين من أصول لبنانية وعربية وغيرهم ممن يبحثون عن تجربة ثقافية متميزة في منطقة الشرق الأوسط.
كما تحمل استعادة الرحلات بُعداً استثمارياً لا يُستهان به، إذ إن تسهيل التنقل بين المركزين الاقتصاديين نيويورك وبيروت يُشجع رجال الأعمال الأمريكيين من أصول لبنانية على الاستثمار في بلدهم الأصلي، وهو استثمار تحتاجه عملية إعادة الإعمار بشدة في المرحلة الراهنة.
الشركات المرشحة والمسارات المحتملة
وفي حال توافرت الإرادة السياسية وتحقق الاستيفاء الأمني، فإن عدة شركات طيران أمريكية كبرى كـ”أمريكان إيرلاينز” و”يونايتد” و”デルتا” قد تُبدي اهتماماً بتشغيل رحلات مباشرة إلى بيروت، لا سيما أن الطلب المكبوت على هذه الرحلات كبير ومضمون. كما يُمكن للناقلة الوطنية اللبنانية “طيران الشرق الأوسط” أن تكون شريكاً في هذه الرحلات من خلال اتفاقيات مشاركة الرمز مع شركات أمريكية.
وعلى صعيد المسارات المحتملة، يبرز خطان رئيسيان: الأول نيويورك – بيروت الذي يخدم الجالية اللبنانية الكبيرة في الساحل الشرقي، والثاني لوس أنجلوس – بيروت الذي يخدم الجاليات العربية واللبنانية في الساحل الغربي وكاليفورنيا.
التحديات التي تعترض الطريق
غير أن الطريق نحو استعادة الرحلات المباشرة ليس مفروشاً بالورود. فالوضع الأمني المتقلب في لبنان والمنطقة يُشكّل عاملاً مثبطاً لشركات الطيران التي تحرص على سلامة مسافريها فوق كل اعتبار. كما أن التصعيد الأمريكي الإيراني المتواصل وتداعياته على المنطقة يُضيف بُعداً من عدم اليقين لا يشجع على اتخاذ قرارات استثمارية طويلة الأمد كافتتاح خطوط جوية جديدة.
ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة التحديث الأمني الشامل لمطار بيروت وفق المعايير الأمريكية، وهو مشروع يستلزم وقتاً وموارد مالية ضخمة لا يملكها لبنان في ظروفه الاقتصادية الراهنة دون دعم دولي.
في المحصلة: رهان على اللحظة
تبقى فكرة استعادة الرحلات المباشرة بين أمريكا ولبنان رهينة الإجابة على سؤال أشمل وأعمق: هل ينجح لبنان في تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي الذي يُشكّل الشرط الأساسي لأي نهوض اقتصادي وأي انفتاح دولي؟ فإذا نجحت زيارة عون في واشنطن في انتزاع التزامات أمريكية بدعم مسار الاستقرار، وإذا تحوّل اتفاق الإطار إلى انسحاب إسرائيلي فعلي يُعيد السيادة على الجنوب، وإذا واصلت الحكومة مسارها الإصلاحي بجدية وشفافية، فإن استعادة الرحلات المباشرة ستكون واحدة من ثمار هذا الاستقرار لا سبباً له. حتى ذلك الحين يبقى اللبنانيون يحلمون بيوم يصلون فيه إلى نيويورك مباشرةً من بيروت دون توقف، تماماً كما كانوا يفعلون قبل أربعين عاماً.



