× الرئيسية لبنان العالم اقتصاد رياضة أخبار تربوية صحف الأبراج الطقس تكنولوجيا أخبار إقليمية نشاطات مقالات خاص HOSTNEWS أمن وقضاء من نحن
الأربعاء، 29 يوليو 2026 | بيروت
f X tg ig
عاجل
اللعنة التي تسبق سقوط الدول / د.مصطفى ركين مقالات

اللعنة التي تسبق سقوط الدول / د.مصطفى ركين

2026-07-29 11:30 وفاء ابو الحسن
وفاء ابو الحسن
رئيس التحرير وفاء ابو الحسن

تشرف على إدارة العمل التحريري للموقع، وتعمل على تقديم محتوى موثوق وتحليلات متعمّقة للأحداث السياسية في المنطقة.

2026-07-29 4868 مقالات
كل المقالات

ليست الأمم مجرد حدود وجيوش ومؤسسات، بل هي منظومة أخلاقية قبل أن تكون منظومة سياسية؛ وحين يختل الضمير الذي يدير الدولة، لا يبقى الفساد مجرد مخالفة قانونية، بل يتحول إلى ثقافة، وإلى أسلوب حكم، وإلى عدوى تصيب المجتمع بأسره.

تابع HOSTNEWS على تيليغرام

احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.

لقد أثبت علم النفس أن الإنسان عندما يمتلك سلطةً بلا محاسبة، قد يقع في وهم الاستحقاق، فيرى نفسه أكبر من النقد، وأرفع من القانون، وأكثر فهمًا لمصلحة الناس من الناس أنفسهم؛ ومع مرور الزمن، يصبح التناقض أمرًا طبيعيًا في نظره، ويغدو تبرير الأخطاء مهارة، لا عبئًا أخلاقيًا؛ وعندما تتكرر هذه الحالة داخل الطبقة الحاكمة، فإنها تتحول من سلوك فردي إلى ظاهرة اجتماعية تهدد تماسك الدولة.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية…

فالأوطان لا تنهار فقط تحت القصف، ولا بسبب الأزمات الاقتصادية، بل تنهار عندما تُصاب منظومتها القيمية بالشلل، وعندما يصبح المنصب وسيلة للنفوذ بدل أن يكون تكليفًا بالخدمة، وعندما يُطلب من المواطن أن يخدم السلطة، بينما الأصل أن تكون السلطة في خدمة المواطن.

وما نراه اليوم من مظاهر الاستعراض، والخطابات المتشنجة، والتنافس على تسجيل المواقف، واستبدال لغة الحوار بلغة الاستعلاء، ليس دليل قوة، بل قد يكون أحد أعراض الانفصال عن الواقع.
فالمسؤول الذي ينشغل بصورته أكثر من انشغاله بصورة وطنه، يكون قد بدأ بخسارة أهم مقومات القيادة وهي الثقة .

إن الشعوب قد تصبر على الفقر، وتصمد في وجه الحروب، وتتعافى من الكوارث، لكنها نادرًا ما تغفر لمن بدّد ثقتها؛ فالثقة هي رأس مال الدولة الحقيقي، وإذا انهارت، لم تعد القوانين وحدها كافية لإعادة بناء الوطن.

ولعل أخطر ما يصيب أي مجتمع هو اعتياده على الخلل؛ حين يصبح الفساد خبرًا عاديًا، والتقصير أمرًا مألوفًا، والاستعلاء سلوكًا متوقعًا، فيفقد الناس دهشتهم، ويبدأ اليأس بالتسلل إلى وجدانهم.
عندها لا يهاجر الشباب من الأرض فقط، بل تهاجر من داخلهم فكرة الانتماء نفسها..

التاريخ يخبرنا أن الدول لا تسقط فجأة، بل تسقط تدريجيًا عندما يسبق انهيارُ الأخلاق انهيارَ المؤسسات؛ فكل حضارة بدأت بالتراجع حين اعتقدت نخبها أن السلطة حق مكتسب، لا مسؤولية، وأن الشعب وسيلة، لا غاية.

ولذلك، فإن السؤال الذي سيبقى بعد أن تنتهي المناصب، وتُطوى الرايات، وتختفي المواكب، ليس: من كان الأقوى؟ ولا من كان الأعلى صوتًا؟

بل سؤال واحد لن يستطع أحد الهروب منه:

هل تركتم في قلوب الناس أثرًا من عدل… أم أثرًا من وجع؟

لأن الناس قد تنسى الوجوه، لكنها لا تنسى من حفظ كرامتها، كما لا تنسى من أهانها..
أما التاريخ، فلا يكتب أسماء أصحاب السلطة بحجم مناصبهم، بل بحجم ما تركوه في ضمير أوطانهم…

الوسوم: د.مصطفى ركين