
سطحية التحليلات والتقديرات… حين تعمى الأبصار عن عمق التحالف بين واشنطن و”تل أبيب”
كتب د. محمد حسن سعد رئيس معهد وورلد فيو للعلاقات الدولية والدبلوماسية
في مشهد يكشف حجم الإفلاس التحليلي لدى بعض وسائل الإعلام والمحللين الذين اعتادوا الظهور على الشاشات، رأينا في الأشهر والأسابيع الماضية طوفاناً من التفسيرات السطحية التي انطلقت في ترويج وهم “الخلاف العميق” بين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب. لم يتردد البعض في تصوير الأمر وكأنه قطيعة إستراتيجية، أو لحظة تفكك في التحالف الأمريكي الإسرائيلي، متناسين عن جهل أو عمد، أن التحالف بين واشنطن و”تل أبيب” ليس علاقة أشخاص بل منظومة متكاملة من المصالح المتجذرة والعقيدة السياسية والأمنية.
هؤلاء “المحللون” تجاهلوا عمداً أو جهلاً سلسلة من المؤشرات التي كانت تؤكد تناغماً غير مسبوق في الملفات الكبرى: الملف النووي الإيراني، أمن الخليج، توسع التطبيع العربي الإسرائيلي، ودعم “تل أبيب” عسكرياً واقتصادياً بلا شروط. وحتى في أقسى لحظات التوتر الإعلامي بين الطرفين، كانت الاتصالات الإستخباراتية والسياسية قائمة على أعلى المستويات، والخطط تُبنى، والتحركات تُنسّق بعيداً عن صخب ًالكاميرات.
إن من روجوا لفكرة أن ترامب انقلب على “إسرائيل”، أو أن نتنياهو تجرّأ على تحدي الإدارة الأميركية، أسقطوا من حساباتهم الطبيعة البنيوية للعلاقة، والتي تتجاوز أي خلاف تكتيكي أو تصريح إعلامي عابر. لقد اختاروا التحليل السطحي على حساب الحقيقة المعقدة، فخانوا جمهورهم بتفسيرات رخوة، أقرب إلى الأمنيات منها إلى الفهم السياسي العميق.
واليوم، مع بدء الحرب الإسرائيلية ضد إيران، وظهور التنسيق الاستخباراتي الأميركي – الإسرائيلي بوضوح، تنكشف الأكذوبة. فالذي اعتقد أن العلاقات قد تدهورت، يكتشف الآن أن ما كان يُخفى هو التحضير لمرحلة ما بعد الدبلوماسية، وأن ما جمع الطرفين لم يكن مجاملات، بل إجماع إستراتيجي على إدارة المنطقة بالنار إذا فشلت أدوات التفاوض.
إن ما يجري اليوم يفضح ضحالة من راهن على الانقسامات الشكلية، ويؤكد من جديد أن التحالف الأميركي – الإسرائيلي أعمق من أن يهتز بتصريح أو تكتيك إعلامي. إن من لا يدرك ذلك لا مكان له في المشهد التحليلي، لأن السياسة لا تُقرأ من على سطح التصريحات، بل من أعماق المصالح والوقائع على الأرض.






