
“زينب… يا رب لا تأخذني قبل أن أراك” | د. حسان الزين
ليلة الجمعة، قرابة التاسعة مساءً، حيث الأنوار في قبريخا كانت خافتة كأنها تعرف أن شيئًا عظيمًا على وشك الحدوث…
كانت السماء صافية، لكن القلوب مشوّشة.
أما زينب، ذات الأعوام القليلة، فكانت تُرتّل مع أمها دعاء كميل، وتراقب بعينيها الصغيرتين ظلّ والدها وهو يصلح النافذة التي لا تُغلق جيدًا.
زينب كانت تنتظر الرحيل العظيم… دون أن تدري.
كانت تنتظر شيئًا… لا يشبه الطفولة.
وفي لحظةٍ خاطفة…
انفجر الصمت.
صاروخ أول، نزل على البيت مثل برقٍ من جهنم.
سقط الجدار… تطاير السقف…
وتناثر جسد الأب والام كقطع من نور انطفأ فجأة.
لم تمت زينب.
خرجت من بين الركام، تلهث، تصرخ، تبكي، وتنادي:
“عمووو… عموو الحقني! بابا راح… ييّي مامااااا!”
ركضت زينب خارج المنزل، والغبار يلفّ شعرها،
صوتها مشروخ، وقلبها الصغير لا يفهم بعد ما تعني كلمة “أشلاء”.
لكن الطائرة لم تكتفِ.
صاروخٌ ثانٍ… يتبع البراءة.
انفجار آخر…
قذفها أرضًا، غطّى جسدها بالتراب والدخان…
لكنها كانت لا تزال حية.
جسدها ارتجف… يدها الصغيرة نبشت الأرض…
ثم فجأة، سكنت.
تمثّلت أنها ميتة.
أغمضت عينيها… كتمت أنفاسها… غطّت خدّها المجروح بطرف ثوبها المحروق…
وبهمسٍ يكاد لا يُسمع، ناجَت ربها:
“يا رب… أنا مش جاهزة… خذني بس بعد شوي… خلّيني شوفك بالأول…”
“يا رب… خلّي بابا وماما يشوفوني إذا رحت لعندك…”
مرت الطائرة. غادرت.
وبقيت زينب، طفلة ممزقة، لكنها حية، تتنفس، وتحمل في صدرها كفنًا من الذكريات.
أهل البلدة وجدوها وهي في صدمة التاريخ. وحقد الذين يقتلون الطفولة والإنسانية …
عيونها كانت مغمضة، لكنها مفتوحة على وجعٍ لا يُغلق…
وصوتها عاد، خافتًا، لكنه كالسكين:
“ليش نحنا؟ ليش نحنا؟ بابا كان هنا كان في بلدتنا الصابرة … ليش نحنا؟
هكذا بقيت زينب، شاهدة على مجزرة، وحيدة في ظلمة الجمعة، تطلب الله ألا يأخذها قبل أن تراها السماء، وتشهد أن البراءة لا تُقصف، وإن احترقت.
ليس للطفولة في فلسطين ولبنان سوى الله. هو الذي سينتقم من المجرمين. اين العدالة اين القوانين اين الإنسانية. لقد قتلها العدو مرارا وتكرارا …







