
الشارب العربي والدرزي بين الاهانة والرجولة / د حسان الزين

في العالم العربي، لا يُعتبر الشارب زينة للوجه فحسب، بل راية تُعلَّق على جبين الرجولة، وشاهدًا على الهيبة، والكلمة، والموقف. أما في الثقافة الدرزية خاصة، فقد غدا الشارب رمزًا لعمق تقاليد تُختصر فيها الأخلاق والشرف والالتزام بالعهد، إلى حد أن تُقاس صدقية الرجل بـ”شاربه”، كما يقولون.في هذا المقال، لا أتحدث عن شعر الوجه، بل عن جغرافيا الرجولة في وجه الريح؛ عن ذاك الحاجز الصامت الذي، إن سقط، سقط معه معنى ما في الداخل.
الشارب في الهوية الدرزية: أكثر من مظهر في القرى الدرزية، من جبل العرب في سوريا، إلى الشوف في لبنان، يكتسب الشارب صفة شبه مقدسة. الشارب ليس فقط دليل نضج أو فحولة، بل مرآة “الشهامة”، وكثيرًا ما يُقال للرجل عند النقاش أو العهد: “عَ شاربك؟”، أي: أتعاهدني برجولتك؟ شرفك؟.
وقد جرت العادة في المجتمع الدرزي أن يحتفظ الرجال بشواربهم مرتبة كثيفة، خاصةً كبار السن والمجاهدين، في حين يُحلق اللحية غالبًا عند المتدينين “العُقّال” في رمزية روحية.
سلطان باشا الأطرش… والشارب الثائر حين ننطق اسم سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي عام 1925، لا تبرز فقط صورته في الذاكرة، بل تظهر شواربه الكثيفة كأعلام على وجهه، لا تقل هيبة عن صوته وسيفه.
كان الشارب في صورته لا يُمثل فقط وقار مجاهد، بل امتدادًا لهوية شعب بأكمله. لم يكن مجرد شعر، بل حاجزًا بين الكرامة والذل، بين السيادة والخنوع.
والمفارقة أن الفرنسيين كانوا يدركون تمامًا هذه الرمزية. لذا، عند اعتقال الثوار، كان حلق الشارب إحدى وسائل الإذلال المقصودة: تجريد الرجل من رمزه، كما يُجرد العالم من علمه.
إسطنبول وحلق اللحى: بين الطوائف والدولة هذه الرمزية لم تكن حكرًا على العرب، بل اتخذت شكلًا سياسيًا حادًا في التاريخ العثماني، وخاصة في إسطنبول.
1. القِزِلْباش: اللحية المذهبية في القرن السادس عشر، خاضت الدولة العثمانية السنية صراعًا شرسًا مع الدولة الصفوية الشيعية، وكان أتباع الصفويين يُعرفون باسم “القزلباش”، وهم يُطلقون لحاهم كرمز ديني.
بعد معركة چالديران، أمر السلطان سليم الأول بحلق لحى الأسرى علنًا، كنوع من الإذلال الطائفي والسياسي، وهو ما اعتُبر “إعدامًا معنويًا” للهوية.
2. الطريقة البكتاشية: الحلق كسلاح قمع في القرن التاسع عشر، بعدما قمع السلطان محمود الثاني الانكشارية وأغلق الزوايا الصوفية، تعرّض مشايخ الطريقة البكتاشية في إسطنبول لحلق لحاهم قسرًا، وتم اقتيادهم في الشوارع ليُشاهدهم الناس، كأن لحاهم كانت أعلام فتنة وجب إنزالها.
3. الكمالية والتغريب: اللحية هدف الدولة في عهد كمال أتاتورك، تحوّلت اللحية والشارب إلى رموز للـ”تخلف”، وصار حلقها سياسة دولة. أُجبر رجال الدين على حلق لحاهم، وأُقصي من يرفض ذلك من الوظائف العامة.
وهنا، لا يظهر الشارب فقط كأداة مقاومة، بل كجبهة يشنّ النظام حربه عليها، بالمقص لا بالسيف.
الإهانة المقصودة: حلق الشارب كسلاح ناعممن إسطنبول إلى دمشق، من السجون الصهيونية إلى معتقلات الأنظمة، يتكرّر المشهد: حلق الشارب كأداة إذلال.
الهدف ليس الجمال، بل هدم صورة الرجولة عند الشخص، وكسر الرابط بينه وبين الجماعة التي ترى فيه مثالًا للهيبة.
في سجون الاحتلال الإسرائيلي مثلًا، يُجبر بعض المعتقلين الفلسطينيين على حلق شواربهم أو لحاهم، خاصة إن كانت تحمل دلالة فصائلية أو دينية. وقد تكرّر ذلك مع بعض الأسرى من دروز فلسطين الذين رفضوا الخدمة في جيش الاحتلال، فعُوقبوا لا بالجلد… بل بالموسى على الكرامة.
في الختام: عندما يتحول الشارب إلى علمالشارب في ثقافتنا ليس مجرد شكل. إنه تعهد بصوتٍ صامت.
إنه القسم الذي لا يُنطق.ولذلك، حين أرادت الأنظمة أو المستعمرون إذلال الرجال، لم يُطلقوا عليهم النار فحسب، بل استهدفوا رمزهم الأول: شاربهم.
في عصرٍ تتآكل فيه الرموز، تذكّر أن الشارب عند العربي والدرزي، ليس زينة، بل صوت وجه، وموقف جبين، ووعد من لا يتراجع.







