وزارة الصحة للمواطنين: التزموا بهذه الإرشادات أعلنت وزارة الصحة العامة في بيان، أنه في إطار جهودها المستمرة لحماية صحة المواطنين…
مقالاتوجبة الفروج القاتلة: حسين فقيه مأساة برسم وزارة الصحة والبلديات والقضاء ./ نادين خزعل .
وجبة الفروج القاتلة: حسين فقيه مأساة برسم وزارة الصحة والبلديات والقضاء ./ نادين خزعل .
تحول التسمم الغذائي في لبنان إلى خطر يومي يهدد حياة المواطنين في ظل غياب الرقابة الفاعلة، والتراخي في تطبيق القوانين، واستمرار بعض المؤسسات الغذائية في الاستهتار بأبسط معايير السلامة.
تابع HOSTNEWS على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
في كل صيف تقريباً ومع ارتفاع درجات الحرارة ، تتكرر المشاهد نفسها: عشرات المصابين، حالات إدخال إلى المستشفيات، وأحياناً ضحايا يفقدون حياتهم بسبب وجبة كان يفترض أن تكون مصدراً للغذاء لا للموت.
آخر هذه المآسي وفاة الشاب حسين فقيه بعد إصابته بحالة تسمم غذائي ناجمة عن وجبة فروج تناولها من مطعم ” ع.ت” في الضاحية الجنوبية، إذ تم نقله إلى المستشفى ولكن لم تنجح محاولات إنقاذه ليتوفى فيما عدد من أفراد عائلته الذين تناولوا معه الفروج ما زالوا يتلقون العلاج.
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كم حسين فقيه يحتاج لبنان حتى تتحرك أجهزة الرقابة؟
المشكلة لم تعد فردية، إذ أصبحت مؤشراً خطيراً على خلل بنيوي في منظومة السلامة الغذائية، خصوصاً في ظل الانقطاع المزمن للكهرباء، وسوء تخزين الأغذية، وعدم احترام سلسلة التبريد، وغياب التفتيش الدوري على المطاعم ومحال بيع المواد الغذائية.
وتشير بيانات وزارة الصحة اللبنانية إلى تسجيل 355 حالة تسمم غذائي مُبلّغ عنها خلال عام 2026 حتى أوائل شهر تموز، وهو رقم يعكس فقط الحالات التي وصلت إلى نظام الترصد الرسمي، فيما تبقى حالات كثيرة خارج الإحصاءات.
أما عالمياً، فتؤكد منظمة الصحة العالمية أن الأغذية غير المأمونة تتسبب سنوياً بنحو 600 مليون حالة مرض، و420 ألف وفاة حول العالم ما يجعل سلامة الغذاء إحدى أولويات الصحة العامة.
ولا تتوقف الكارثة عند الإصابات البشرية، بل تمتد إلى الاقتصاد والسياحة وثقة الناس بالمؤسسات، إذ إن أي مطعم لا يلتزم شروط السلامة لا يهدد زبائنه فحسب، بل يسيء إلى سمعة قطاع بأكمله.
إن المعايير الصحية العالمية واضحة ولا تحتمل الاجتهاد، وأبرزها:
- الالتزام بنظام HACCP لتحليل المخاطر ونقاط التحكم الحرجة.
- المحافظة على سلسلة التبريد وعدم انقطاعها.
- حفظ الأطعمة الساخنة فوق 60 درجة مئوية والباردة دون 5 درجات مئوية.
- الفصل بين الأغذية النيئة والمطهية لمنع التلوث المتبادل.
- تدريب العاملين على النظافة الشخصية وسلامة الغذاء.
- التعقيم المستمر للمطابخ وأدوات التحضير.
- التخلص الفوري من أي مواد غذائية منتهية الصلاحية أو مجهولة المصدر.
- إجراء فحوص دورية للعاملين في المؤسسات الغذائية.
لكن السؤال الأخطر يبقى:
أين القضاء؟
فإذا ثبت أن الإهمال أو مخالفة شروط السلامة الغذائية أدى إلى وفاة إنسان، فإن الأمر يعدو كونه مجرد مخالفة إدارية، ليصبح جريمة تستوجب تحقيقاً قضائياً شفافاً وسريعاً، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره لأن حياة المواطنين ليست مجالاً للتسويات ولا للمحسوبيات.
إن المطلوب هو الإسراع إلى وضع خطة وطنية متكاملة تشمل:
- تكثيف الرقابة اليومية والمفاجئة على المطاعم والمسالخ ومحال بيع الأغذية.
- نشر أسماء المؤسسات المخالفة بشفافية.
- إقفال أي مؤسسة تشكل خطراً على الصحة العامة.
- تشديد العقوبات المالية والجزائية بحق المخالفين.
- إلزام جميع المؤسسات الغذائية بتطبيق أنظمة السلامة المعتمدة دولياً.
- تمكين البلديات من ممارسة دورها الرقابي بالتنسيق مع وزارة الصحة والأجهزة المختصة.
وعليه، لا يجوز أن يتحول رغيف الخبز إلى خطر، ولا وجبة الدجاج إلى حكم بالإعدام، ولا أن يبقى المواطن اللبناني يدخل المطعم وهو لا يعلم إن كان سيخرج منه سالماً أم ضحية جديدة تضاف إلى سجل الإهمال.
لقد آن الأوان لأن تتحرك الدولة بكل مؤسساتها قبل أن يتحول التسمم الغذائي إلى وباء صامت يحصد الأرواح واحدة تلو الأخرى.
فالمواطن لا يطلب المستحيل…
إنه يطلب فقط حقه الطبيعي في غذاء آمن، وفي دولة تحاسب قبل أن تعزي، وتحمي قبل أن ترثي.
وبعد…
إن الدم الذي يُراق بسبب رصاصة جريمة، وكذلك الدم الذي يُهدر بسبب الإهمال لا يقل فداحة. فالسكوت عن المخالفات، والتهاون في الرقابة، والتأخر في المحاسبة، كلها أشكال من التقصير الذي قد يدفع ثمنه أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم وثقوا بمؤسسة تبيع الطعام.
ومن هنا، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق وزارة الصحة، والبلديات، والأجهزة الرقابية، والقضاء، كلٌّ ضمن صلاحياته، لإطلاق حملة وطنية لا تعرف المجاملة، تُقفل كل مؤسسة مخالفة، وتحاسب كل من يستهين بحياة الناس، وتفرض احترام أعلى معايير السلامة الغذائية.
وللعلم، في لبنان، يجرّم قانون حماية المستهلك عرض أو بيع منتجات غير مطابقة لشروط السلامة أو من شأنها الإضرار بصحة المستهلك، كما يمنح السلطات المختصة صلاحية مراقبة المؤسسات الغذائية واتخاذ التدابير اللازمة بحق المخالفين.
كذلك، يضع قانون سلامة الغذاء اللبناني (القانون رقم 35/2015) إطارًا واضحًا لضمان سلامة الأغذية في جميع مراحل إنتاجها وتخزينها ونقلها وتسويقها.
أما إذا أثبت التحقيق أن الإهمال أو مخالفة قواعد السلامة كانا سببًا مباشرًا في وفاة إنسان أو إصابته بأذى جسيم، فإن الأمر يدخل في نطاق المسؤولية الجزائية، ويصبح القضاء مطالبًا بتحديد المسؤوليات وملاحقة كل من يثبت تقصيره، سواء كان صاحب المؤسسة، أو المسؤول المباشر عن إعداد الطعام، أو أي شخص ثبتت مساهمته في وقوع الضرر، وفقًا للأصول القانونية.
والعدالة يجب أن تسود بشكل قانوني لا على “الطريقة اللبنانية ” عبر إقفال مطعم لعدة أيام، أو فرض غرامة مالية يمكن تعويضها، والردع يكون عندما يدرك كل من يعمل في القطاع الغذائي أن العبث بصحة الناس قد يقوده إلى المساءلة أمام القضاء. فالعقوبة هنا تصبح وسيلة لحماية المجتمع وردع كل من يفكر في الاستهتار بصحة المواطنين وكل حكم قضائي عادل يصدر بحق متسبب بوفاة أو تسمم مستهلك، قد ينقذ عشرات الأرواح في المستقبل، لأن هيبة القانون تبدأ حين يدرك الجميع أن الإهمال له ثمن، وأن أرواح الناس ليست مباحة.


