لاريجاني: لا نستهدف دول المنطقة! تعد تصريحات لاريجاني جزءًا من استراتيجية إيران للتأكيد على احترام سيادة الدول المجاورة. أوضح أمين…
خاص HOSTNEWSحصري HOSTNEWS | التصعيد الأمريكي الإيراني: هل تشعل المنطقة حرباً لا تُطفأ؟
حصري HOSTNEWS | التصعيد الأمريكي الإيراني: هل تشعل المنطقة حرباً لا تُطفأ؟

في مشهد يستعيد أشد لحظات الشرق الأوسط توتراً وخطورة، تتصاعد وتيرة المواجهة الأمريكية الإيرانية بسرعة مقلقة تتجاوز كل التوقعات، لتضع المنطقة أمام خيارات مصيرية حادة بين حرب شاملة أو تسوية هشة تنطوي على بذور أزمات قادمة. ومنذ أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من على منصة قمة الناتو في أنقرة انتهاء مذكرة التفاهم مع إيران ووصف التعامل معها بأنه “مضيعة للوقت”، دخلت المنطقة مرحلة جديدة بالغة الخطورة لم تستقر ملامحها بعد ولم تتضح نهاياتها.
تابع HOSTNEWS على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
من التفاهم إلى المواجهة: كيف وصلنا إلى هنا؟
لفهم حجم التحول الراهن، لا بد من استيعاب المسار الذي أفضى إليه. فمنذ أن انطلقت مفاوضات إسلام آباد بين واشنطن وطهران، ساد تفاؤل حذر في الأوساط الدبلوماسية بأن المنطقة تسير نحو تهدئة شاملة قد تُنهي سنوات من التوتر المتراكم. غير أن الهجمات الإيرانية على السفن التجارية في مضيق هرمز كانت القشة التي قصمت ظهر البعير الدبلوماسي، ودفعت واشنطن إلى اتخاذ قرار الرد العسكري المباشر عبر قيادتها المركزية “سنتكوم”.
وكانت الضربات التي نفّذها سنتكوم على أكثر من 80 هدفاً داخل الأراضي الإيرانية نقطة تحول نوعية في مسار المواجهة، إذ تجاوزت في حجمها وعمقها كل ما شهدته العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران في المراحل السابقة. وجاء الرد الإيراني سريعاً باستهداف مواقع أمريكية في البحرين والكويت، في رسالة واضحة مفادها أن طهران لن تبتلع الضربات صامتة ولن تتراجع تحت وطأة الضغط العسكري مهما بلغت تكلفته.
هرمز: الجغرافيا تحكم
يبقى مضيق هرمز في قلب هذه المواجهة لسبب بسيط ومركّب في آنٍ معاً: إنه الشريان الذي يضخ نحو 20% من النفط المُتداول دولياً، وأي تعطّل في حركة الملاحة فيه يعني اضطراباً فورياً في أسواق الطاقة العالمية. وقد تجلّى هذا التأثير فوراً حين قفزت أسعار النفط بأكثر من 5% في جلسة تداول واحدة وانهارت مؤشرات الأسواق المالية، في دليل صارخ على أن حرب هرمز ليست شأناً إقليمياً ضيقاً بل هي قضية اقتصاد عالمي بامتياز.
وتدرك إيران هذه الحقيقة جيداً وتوظّفها ورقة ضغط استراتيجية، إذ إن قدرتها على تهديد حركة الملاحة في هرمز تمنحها نفوذاً يتجاوز حدودها العسكرية الفعلية ويُوجد لها مصلحة دولية واسعة في عدم الذهاب إلى المواجهة الكاملة. غير أن الهجمات على السفن التجارية تعكس قراراً إيرانياً بتفعيل هذه الورقة جزئياً، وهو ما لم يستطع المجتمع الدولي والولايات المتحدة تجاهله أو قبوله.
الحلفاء الخليجيون في مرمى النيران
ومع استهداف إيران مواقع أمريكية في البحرين والكويت، تجاوزت المواجهة حدودها الثنائية لتُقحم حلفاء واشنطن الخليجيين مباشرةً في دائرة الخطر. وتجد دول الخليج العربي نفسها في موقف بالغ الحساسية، إذ تحتضن قواعد عسكرية أمريكية كبرى باتت أهدافاً محتملة في أي صراع مفتوح، فيما تسعى في الوقت ذاته إلى الحفاظ على علاقات اقتصادية مع إيران وتجنّب الانزلاق نحو مواجهة تُكلّفها ثمناً باهظاً.
وقد أكد وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في اجتماعهم في البحرين تعزيز الشراكة الاستراتيجية، في إشارة إلى أن واشنطن تسعى إلى تمتين تحالفاتها الإقليمية في مواجهة التهديد الإيراني. لكن سؤالاً جوهرياً يبقى معلقاً: إلى متى تستطيع هذه الدول أن تكون في الخندق الأمريكي دون أن تدفع ثمناً لا تحتمله؟
إيران: ورقة المقاومة الإقليمية
ولا تخوض إيران هذه المواجهة بقواتها المسلحة وحدها، بل تمتلك شبكة واسعة من الأذرع والحلفاء الإقليميين في لبنان واليمن والعراق وسوريا، الذين يمثّلون امتداداً استراتيجياً لنفوذها ويُشكّلون ورقة ضغط إضافية في وجه أي تصعيد أمريكي. وقد أثبت حزب الله في لبنان وجماعة الحوثيين في اليمن والفصائل المسلحة في العراق قدرتهم على الإضرار بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية بشكل مؤثر.
وفي هذا السياق يغدو الملف اللبناني جزءاً لا يتجزأ من المواجهة الكبرى، إذ إن أي تصعيد شامل بين واشنطن وطهران سينعكس فورياً على المشهد في جنوب لبنان ويُعقّد مسار اتفاق الإطار التفاوضي الهش أصلاً. وهذا ما يجعل التصعيد الأمريكي الإيراني قضية لبنانية بامتياز لا قضية خارجية بعيدة.
الاقتصاد العالمي يدفع الثمن
وفيما يتشاغل السياسيون والعسكريون بحسابات القوة والردع، يدفع المواطن العادي حول العالم ثمن هذا التصعيد من جيبه مباشرةً. فارتفاع أسعار النفط أكثر من 5% يعني ارتفاعاً مقابلاً في تكاليف التنقل والإنتاج والشحن وسلاسل التوريد، أي أن فاتورة قرارات ترامب وخامنئي يسددها المستهلك في طوكيو ولندن وبيروت وكيب تاون.
وفي لبنان تحديداً، حيث يعاني المواطن أصلاً من أزمة اقتصادية خانقة وشُح في الدولار وارتفاع في أسعار السلع الأساسية، يُمثّل أي ارتفاع في أسعار الوقود عبئاً إضافياً لا يحتمله. ويبقى لبنان الحلقة الأضعف التي تدفع فاتورة الأزمات الإقليمية من دون أن تكون طرفاً حقيقياً فيها.
إلى أين تسير المنطقة؟
تتقاطع في هذه المرحلة مسارات متعددة تجعل التكهن بمآلاتها أمراً عسيراً: مفاوضات الدوحة بين إيران وأمريكا التي حققت تقدماً قبل أن يتعثر بالضربات العسكرية، واجتماع البحرين الأمني الذي ضم لأول مرة لبنان وسوريا، وانتهاء مذكرة التفاهم مع ما يعنيه من إغلاق باب التسوية الدبلوماسية المؤقت، وإلغاء إعفاءات النفط الإيراني الذي يُضيف بُعداً اقتصادياً ضاغطاً.
وثمة سيناريوان رئيسيان يتنافسان على رسم المشهد المقبل: الأول أن يُفضي الضغط الأمريكي المتصاعد إلى إجبار إيران على العودة إلى طاولة التفاوض بشروط أمريكية أكثر صرامة، والثاني أن يدفع التصعيد المتبادل المنطقة نحو حرب شاملة لا يريدها أحد لكن لا يستطيع أحد إيقافها إذا انطلق فتيلها.
والمؤكد في مشهد يقل فيه اليقين أن لبنان والمنطقة لا يملكان ترف الانتظار، وأن الحلول الدائمة لن تأتي من برميل بارود يُشعل بعضه بعضاً، بل من إرادة سياسية حقيقية تضع مصالح الشعوب فوق حسابات القوى والنفوذ.



