
نحن في هذه الحياة عابرون… فلنترك أثراً يليق بإنسانيتنا

كتبت حوراء غندور في شبكة ZNN
في هذا العالم السريع، القاسي أحياناً، المتقلّب دائماً، ننسى أننا نحن البشر—على كل صخبنا، انشغالنا، عصبيتنا—مجرد عابرين. نأتي إلى الحياة بلا شيء، ونغادرها بلا شيء، ويبقى بين هذا وذاك الأثر الذي صنعناه، الكلمة التي قلناها، القلب الذي طيّبناه، النفس التي هدّأناها حين كانت على وشك الانهيار.
لقد علّمتني التجارب الأخيرة، وعلّمتنا جميعاً كلبنانيين، أن لا شيء أثمن من القيم التي نحملها. في بلدٍ يختنق تحت ضغوط يومية، حيث يصبح الناس سريعو الغضب، متوترين، متعبين، منطفئين، يصبح التمسّك بالقيم شجاعة. يصبح اللطف بطولة. ويصبح الهدوء انتصاراً صغيراً… لكنه انتصار حقيقي.
نحن اليوم نعيش في لبنان مرحلة حساسة:
● الناس مرهقون،
● الأعصاب مشدودة،
● الوجوه متعبة،
● القلوب مثقلة بقصصٍ لا تنتهي،
● والجميع يحاول النجاة بطريقة أو بأخرى.
لكن وسط هذا الضجيج، نحتاج أن نتذكّر:
القيم لا تسقط تحت ضغط الظروف، بل تظهر وتلمع، تماماً كما يلمع المعدن تحت النار.
القيم ليست شعارات… القيم سلوك يومي
القيم هي أن نُسامح حين يكون الانتقام أسهل.
هي أن نهدأ حين يكون الانفعال أسرع.
هي أن نبتسم لمن حولنا رغم أن في داخلنا جروحاً لا يراها أحد.
هي أن نقول كلمة طيبة تغيّر يوم إنسان لا نعرفه.
هي أن نكون نوراً صغيراً وسط عتمة كبيرة.
هي أن نُعامل أمهاتنا وآباءنا كما لو أننا نحمل العالم بين أيدينا.
هي أن نرفق بالناس لأننا لا نعرف ماذا يحدث خلف أبوابهم المغلقة.
في لبنان… نحن أحوج ما نكون إلى القيم
القيمة اليوم ليست مجرد فضيلة…
القيمة أصبحت حاجة وطنية.
نحتاج:
• قيمة الهدوء في وجه العصبية.
• قيمة التواضع في وجه الغرور.
• قيمة الاحترام في زمن الصوت العالي والجدال الفارغ.
• قيمة الطيبة في بلدٍ يتقاذف أهله الوجع من كل اتجاه.
• قيمة الصبر حين تضيق بنا الأحوال ويخوننا الوقت والحظ.
• وقيمة التعاطف مع كل أم مريضة، كل مسن متعب، كل طفل يحلم، كل شاب يقاتل ليبقى واقفاً.
نحتاج أن نُعيد للإنسان قيمته، أن نهذّب لغتنا، أن نخفّف من حدّة ردود أفعالنا، أن نردّ على القسوة بلطف، وأن نربّي أبناءنا على أن الإنسان ليس بما يملك… بل بما يترك.
فلنترك أثراً… لأن الأثر هو الشيء الوحيد الذي لا يموت
قد نعتقد أننا صغار في هذا العالم، لكن الأثر الذي نتركه أكبر بكثير مما نتخيّل:
كلمة خير تُسعد قلباً.
ابتسامة تُعطي أملاً.
موقف شهامة يُعيد الثقة بإنسانية المجتمع.
مساعدة بسيطة تمنع دمعة.
حضور دافئ يشبه ضوء الصباح.
كلّها آثار. وكلّها تبقى.
نحن عابرون… نعم.
لكن أثرنا ليس عابراً.
أثرنا هو بصمتنا الحقيقية في هذا الكون.
ختاماً…
ربما لا نستطيع تغيير لبنان دفعة واحدة، لكن يمكننا أن نُغيّر أنفسنا، ونُهذّب ردود أفعالنا، ونلطف قلوبنا، ونخفّف توترنا، ونعيد إنسانيتنا إلى الواجهة. عندها فقط… يصبح لكل قيمة وزن، ولكل كلمة معنى، ولكل أثر حياة.
فلنترك وراءنا أثراً… لعلّ هذا الأثر يكون يوماً نوراً لأحدهم في عتمته.
ولعلّه يكون سبباً في أن يذكرنا أحدهم بخير، حين نكون قد عبرنا من هذه الحياة إلى التي بعدها .







