× الرئيسية لبنان العالم اقتصاد رياضة أخبار تربوية صحف الأبراج الطقس تكنولوجيا أخبار إقليمية نشاطات مقالات خاص HOSTNEWS أمن وقضاء من نحن
الثلاثاء، 4 أغسطس 2026 | بيروت
f X tg ig
عاجل
الرابع من آب… حين يصبح الدم معيارًا واحدًا للكرامة./ د.مد. مصطفى ركين مقالات

الرابع من آب… حين يصبح الدم معيارًا واحدًا للكرامة./ د.مد. مصطفى ركين

2026-08-04 08:34 وفاء ابو الحسن
وفاء ابو الحسن
رئيس التحرير وفاء ابو الحسن

تشرف على إدارة العمل التحريري للموقع، وتعمل على تقديم محتوى موثوق وتحليلات متعمّقة للأحداث السياسية في المنطقة.

2026-08-04 4903 مقالات
كل المقالات

هناك أيامٌ لا تمرّ في الذاكرة، لأنها لا تغادر القلب.
والرابع من آب، ليس مجرد محطة في رزنامة لبنان، بل هو تاريخٌ انكسر فيه الزمن، وسقطت معه حجارةٌ وأسقف، كما سقطت ثقة الناس بدولتهم، وتهاوت قناعاتٌ كثيرة كانت تستند إلى أملٍ بأن هذا الوطن، رغم كل أزماته، لا يزال قادراً على حماية أبنائه.

تابع HOSTNEWS على تيليغرام

احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.


في لحظة واحدة، تحوّل مرفأ بيروت إلى عنوانٍ لأكبر كارثة عرفها لبنان في تاريخه الحديث. عشرات الثواني كانت كافية لتغيّر حياة آلاف العائلات، ولتكتب أسماء شهداء وجرحى ومفقودين على صفحات الألم الذي لم يجف حتى اليوم.


لكن الأكثر إيلامًا، أن سنواتٍ مضت، وما زالت الحقيقة الكاملة أسيرة التجاذبات، وما زالت العدالة تنتظر من يحررها من الحسابات الضيقة. فلا يكفي أن نبكي الضحايا في كل ذكرى، إذا كانت الحقيقة ما زالت غائبة، وإذا كانت العدالة ما زالت مؤجلة.


إن العدالة ليست انتقامًا، وليست شعارًا سياسيًا، بل هي حق للضحايا، وواجب تجاه الوطن، وضمانةٌ حتى لا تتكرر المأساة.
لقد كشف انفجار المرفأ أكثر مما دمّر. كشف هشاشة الدولة، وضعف المؤسسات، وعمق الانقسام، وكيف يمكن لمأساة وطنية أن تتحول إلى مادة خلاف، بدل أن تكون مساحة لقاء. وبدل أن يتوحد اللبنانيون حول الإنسان، انقسموا حول الروايات، وتوزعت الاتهامات، وتضاربت التحليلات، وبقي السؤال الأكبر بلا جواب: كيف وصل لبنان إلى هنا؟


ورغم كل ذلك، فقد أظهر اللبنانيون وجهاً آخر لوطنهم. رأينا آلاف المتطوعين، والجمعيات، والفرق الطبية والإنسانية، يعملون بلا كلل، يضمدون الجراح، ويرممون البيوت، ويعيدون شيئًا من الأمل إلى مدينةٍ كانت تنزف.


وهذا الجهد يستحق كل تقدير.
لكن الوفاء للإنسان يفرض علينا أن نطرح سؤالًا لا بد منه: لماذا يشعر كثير من اللبنانيين بأن هذا الزخم الإنساني والإعلامي لم يكن بالحجم نفسه عندما كانت قرى الجنوب، والبقاع، والضاحية، وغيرها من المناطق تتعرض للحروب والاعتداءات، ويسقط فيها شهداء وجرحى، ويُهجّر أهلها، وتُدمّر منازلها؟
ليس المقصود التقليل من مأساة بيروت، فالمآسي لا تُقاس بعضها ببعض، ولا تُرتّب في سلّم الأولويات. دماء الضحايا ليست قابلة للمفاضلة، والوجع لا يحمل هوية سياسية أو طائفية أو مناطقية.


لكن العدالة الأخلاقية تقتضي أن يكون التعاطف واحدًا، وأن يكون الإنسان هو المعيار الوحيد.
فالشهيد شهيد، سواء ارتقى في المرفأ، أو تحت ركام منزله في الجنوب، أو في البقاع، أو في الضاحية، أو في أي بقعة من أرض لبنان. والأم الثكلى هي ذاتها، مهما اختلف عنوان منزلها. والطفل الذي فقد والده لا يسأل إلى أي منطقة ينتمي، بل يسأل فقط: لماذا؟
إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس وقوع الكوارث، بل أن يصبح التعاطف معها انتقائيًا، تحكمه السياسة أحيانًا، والإعلام أحيانًا أخرى، ومنطق “الترند” في كثير من الأحيان.


فالترند يصنع ضجيجًا…
أما الضمير، فيصنع موقفًا.
واليوم، تتزامن ذكرى الرابع من آب مع أيام الأربعين للإمام الحسين عليه السلام، حيث تسير ملايين الأقدام نحو كربلاء، لا لأنها تبحث عن حدثٍ تاريخي مضى، بل لأنها تؤمن أن قضية الحسين ليست ذكرى، وإنما منظومة قيم.
لقد خرج الإمام الحسين عليه السلام ليؤكد أن الكرامة لا تُجزّأ، وأن الظلم لا يصبح عدلًا إذا طال الزمن، وأن الدم المظلوم لا يفقد حقه مهما حاولت السياسة أن تؤجل الحقيقة.


ولعل أجمل ما نتعلمه من كربلاء، أن نصرة المظلوم لا تكون بالانتقاء، وأن الإنسان لا يُقاس بانتمائه، بل بإنسانيته.
من هنا، فإن الوفاء الحقيقي للرابع من آب، لا يكون فقط بوضع الزهور أمام المرفأ، ولا بنشر الصور على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بأن نبني دولةً لا يموت فيها الحق بالتقادم، ولا تضيع فيها الحقيقة بين المصالح، ولا يُترك فيها أي لبناني وحيدًا أمام ألمه، أيًا كان مكانه أو اسمه أو انتماؤه.
لبنان لا يحتاج إلى ذاكرة موسمية، بل إلى ضميرٍ دائم.


ولا يحتاج إلى منافسة بين المآسي، بل إلى عدالةٍ تشمل الجميع.
ولا يحتاج إلى تصنيف الضحايا، بل إلى احتضانهم جميعًا.


في هذا اليوم، نقف بإجلال أمام أرواح شهداء انفجار مرفأ بيروت، وأمام جميع شهداء لبنان الذين ارتقوا دفاعًا عن أرضه وسيادته وكرامة شعبه، وأمام كل جريح، وكل مفقود، وكل أمٍ تنتظر عدالة، وكل أبٍ ما زال يبحث عن معنى لما حدث.
نسأل الله أن يتغمد جميع الشهداء برحمته، وأن يلهم ذويهم الصبر، وأن يكتب لهذا الوطن يومًا تصبح فيه الحقيقة أقوى من السياسة، والعدالة أقوى من النفوذ، والإنسان أغلى من كل الحسابات.


فالأوطان تُحفظ بالعدل…
والشعوب تُبنى بالإنصاف…
والتاريخ لا يخلّد إلا الذين وقفوا مع الحق، لا الذين ساوموا عليه.

الوسوم: د.مصطفى ركين