
من سقوط طفلٍ إلى سقوط قيمٍ/ نادين خزعل.
في خضم الانفلات والانفلاش الأمني والاجتماعي الذي يشهده لبنان، لم يعد الانتهاك مقتصرًا على حقوق الإنسان، بل اقتحم حرمة الموت.
قبل يومين، حادثة وفاة طفل في منطقة حي ماضي في الضاحية الجنوبية بعد سقوطه من الشرفة، كانت كفيلة بأن تفتح جرحاً إنسانياً غائراً، لكن ما جرى بعدها على منصات التواصل والوسائل الإعلامية شكّل جريمة ثانية، لا تقلّ قسوة عن وجع الفقد.
تحوّلت المأساة إلى “ترند” يتسابق عليه المتابعون و”الناشطون” وبعض وسائل الإعلام، وكأنها مادة للتسلية أو للمزايدة. لم تُحترم مشاعر العائلة المفجوعة، ولم تُصن الأم المكلومة من السهام الكلامية، ولم تنجُ حتى العاملة المنزلية من موجة اتهامات جاهزة. الجميع نصب نفسه قاضياً وطبيباً شرعياً ومحاميًا ومرشدًا اجتماعيًّا، وأطلق الأحكام والتكهنات، وكأن الحقيقة تُصنع على عجل في التعليقات والبوستات وكأن اللهاث وراء اللايكات كان يسابق أنفاس الطفل ما قبل الأخيرة..
ما جرى ليس خطأ عابرًا، بل هو انتهاك صارخ لحقوق الطفل، وحقوق الإنسان، وحرمة الموت. هو جريمة أخلاقية وإعلامية تشرعن التنمّر وتسوّق للفضول المريض، وتدوس على الكرامات في لحظة الوجع الأقصى وتعطي الحق للجميع بالدخول خلف أبواب المنازل ونسج القصص والروايات وتوصيف العلاقات.
الطفل الذي رحل كان يستحق أن يُودَّع بصلوات الرحمة، لا بضجيج الشائعات. والأم التي فقدت فلذة كبدها تستحق الصمت احتراماً، لا طعنات الافتراء. أما العاملة، فهي إنسانة قبل أي توصيف آخر، لها كرامتها وحقها في محاكمة عادلة إن وجدت شبهة، لا في محاكمة علنية على صفحات الإنترنت.
ما حدث في حي ماضي ليس مأساة عائلة واحدة، بل مأساة مجتمع سمح لمنصات التواصل بأن تتحول إلى محكمة غوغائية، تُصدر أحكامها على جثث الضحايا. حتى عرض صورة الطفل واسمه وهويته ليس مسموحًا وفيه انتهاك لحقوق الطفل، حتى عرض فيديو سقوطه،ليس مقبولًا..
على الجميع ودون أي تأخير وتبرير، سحب وحذف كل خبر أو صورة أو فيديو أو تحليل حول هذه الحادثة، آن الأوان لإعادة تعريف حدود الحرية الإعلامية وحدود أخلاقيات النشر، قبل أن نسقط جميعاً من شرفات الإنسانية.







