× الرئيسية لبنان العالم اقتصاد رياضة أخبار تربوية صحف الأبراج الطقس تكنولوجيا أخبار إقليمية نشاطات مقالات خاص HOSTNEWS أمن وقضاء من نحن
الثلاثاء، 16 يونيو 2026 | بيروت
f X tg ig
عاجل
“السؤال الصعب”: لماذا تأخر بند لبنان في اتفاق طهران-واشنطن ومن يتحمل المسؤولية؟/ محمد غزالة مقالات

“السؤال الصعب”: لماذا تأخر بند لبنان في اتفاق طهران-واشنطن ومن يتحمل المسؤولية؟/ محمد غزالة

2026-06-15 23:47 وفاء ابو الحسن
وفاء ابو الحسن
رئيس التحرير وفاء ابو الحسن

تشرف على إدارة العمل التحريري للموقع، وتعمل على تقديم محتوى موثوق وتحليلات متعمّقة للأحداث السياسية في المنطقة.

2026-06-15 4627 مقالات
كل المقالات

كتب المحلل السياسي ورئيس تحرير موقع ZNN الاستاذ محمد غزالة:

تابع HOSTNEWS على تيليغرام

احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.

منذ الأيام الأولى للحرب المدمرة والقاسية التي تعرض لها لبنان، طُرح في الصالونات السياسية وعلى منصات الإعلام سؤال جوهري ومحوري، تقاطعت عنده خلفيات متناقضة وأهداف متباينة. انطلق هذا السؤال من ضفتين؛ ضفة أولى قادتها قوى المعارضة لمشروع المقاومة  بخلفية سياسية كيدية، وضفة ثانية نابعة من قلب بيئة المقاومة الحاضنة، والتي تكتوي بنيران النزوح والدمار اليومي.

السؤال كان واحداً: “لماذا لم تتدخل إيران لفرض وقف إطلاق النار لمصلحة لبنان منذ بداية العدوان، وانتظرت كل هذا الوقت ليتحقق ذلك مؤخراً؟”

بين خلفية “سوء النية” وقلق “النفس الطويل”

في تفكيك الضفة الأولى، ركز الفريق المعارض للمقاومة على تسويق سردية تزعم أن إيران عاجزة وضعيفة، ولا تمتلك القرار لمواجهة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. ووصل الأمر بأحد النواب المعارضين إلى الجزم علناً بأن طهران بالكاد تستطيع انتزاع وقف إطلاق نار يحمي أراضيها، فكيف لها أن تأتي به إلى لبنان؟ مستنتجاً باستعجال وسوء نية سقوط معادلات الإسناد الإقليمي.

أما على الضفة الثانية، وضمن البيئة الوفية للمقاومة، فقد طُرح السؤال نفسه من باب العتب والقلق المشهد تلو المشهد؛ حيث لم تنظر هذه البيئة إلى طهران من زاوية الضعف، بل من زاوية الخشية من “النفس الإيراني الطويل” الذي تشتهر به دبلوماسيتها، وهو نفس لا يتناسب إيقاعه الزمني -بحسب رؤيتهم- مع حجم الدماء والدمار الشامل الذي لحق بالقرى والبلدات اللبنانية.

الحقيقة المغيبة: كواليس تفاوض إسلام آباد وعقدة الرفض اللبناني

الجواب الحقيقي والمنصف بعيداً عن التراشق الإعلامي يكمن في فك شفرة المسار التفاوضي السري والمعلن. إيران لم تقصر يوماً في دعم المقاومة ولا في إسناد لبنان بالرغم من حالة الانقسام الداخلي الحاد. ولمعرفة سبب تأخر التوقيت، علينا العودة بالزمن إلى كواليس جلسات التفاوض الإستراتيجية التي دارت برعاية باكستانية في عاصمتها إسلام آباد بين الوفدين الإيراني والأمريكي.

في تلك الجلسات المفصلية، خاضت طهران معركة دبلوماسية شرسة، وفرضت “لبنان” كبند أساسي وشرط إلزامي لأي تفاهم لوقف الحرب الشاملة في المنطقة. وهنا صدمت المفاجأة الجميع: إيران كانت جاهزة، لكن الحكومة اللبنانية الرسمية هي من رفضت وبشكل قاطع قبل أسابيع أن تفاوض طهران باسمها أو أن تُدرج الساحة اللبنانية ضمن هذه المظلة التفاوضية الإقليمية!

هذا الموقف الرسمي اللبناني الذي اتسم بالتردد والحسابات الضيقة، جاء في وقت أظهرت فيه القوى الإقليمية الأخرى مرونة عالية؛ حيث وافقت دول كالمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، والبحرين على أن تفاوض الولايات المتحدة الأمريكية باسمها وبما يضمن مصالحها في خارطة الترتيبات الجديدة. مفارقة عجيبة جعلت الدبلوماسية الرسمية في بيروت تعطل مظلة الحماية المبكرة، بانتظار أوهام وعود غربية لم تسمن ولم تغنِ من جوع.

وهم “واشنطن” وفشل الجلسات الثلاث: الحكومة تتحمل الفاتورة النكراء

إن التموضع التفاوضي الخاطئ لقصر بعبدا وللسراي الحكومي يحمّلهما اليوم المسؤولية السياسية والتاريخية الكاملة عن فاتورة الدمار والنزوح الهائل. لقد اختارت الحكومة اللبنانية، بقرار لم تراعي فيه المعايير الوطنية الميثاقية ، الذهاب نحو مسار “التفاوض المباشر” مع العدو الإسرائيلي في العاصمة الأمريكية واشنطن، مبررةً قفزتها في المجهول بقدرتها على تحصيل مكاسب ونقاط دافعة لصالح لبنان.

لكن النتيجة كانت صاعقة؛ ثلاث جلسات تفاوضية كاملة عُقدت هناك -من بينها جلسة مفصلية بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصياً- لم تنتج سوى الصفر المدوّي. فبينما كانت السراي غارقة في حساباتها الدبلوماسية العقيمة، استغل العدو الصهيوني هذا التردد الرسمي لمواصلة آلته التدميرية وقصفه الهمجي، لتتسع بقعة الرماد والتهجير القسري ممتدةً بشكل كارثي من مناطق شمالي نهر الليطاني وصولاً إلى عمق جغرافيا صيدا، جزين، وإقليم الزهراني. هذه المساحات الشاسعة دفع أهلها ثمن رهانات حكومية أثبتت الأيام عقمها، وتسببت في استمرار المجازر في الوقت الذي كان يمكن فيه فرض مظلة الحماية المبكرة عبر جبهة التفاوض الإقليمي الصلب.

بري يفوضه الميدان ويصحح مسار التاريخ

أمام هذا الاستعصاء والخلل البنيوي في الأداء الحكومي، والصمت الذي لا يزال يلف أروقة الخارجية اللبنانية حتى الساعات الماضية، كان لا بد من قوة دفع قادرة على كسر الجمود. وانطلاقاً من كون المقاومة قد فوضت دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري تفويضاً كاملاً ومطلقاً لإدارة الشق السياسي والدبلوماسي، أخذ رئيس المجلس هذه المسؤولية التاريخية والمصيرية على عاتقه الشخصي.

أدار الرئيس بري بالتنسيق اليومي والمباشر مع القيادة الإيرانية من جهة، والتواصل المكثف مع الجانب الأمريكي من جهة أخرى، مرورا بالمملكة العربية السعودية ودولة قطر وجمهورية مصر العربية، محركات التفاوض بميزان من ذهب. استند بري إلى تضحيات رجال الحافة الأمامية ومطحنة الدروع في مجدل زون وعلي الطاهر، ليعوض عجز الإرادة الرسمية، وينتزع في نهاية المطاف اعترافاً دولياً أدرج لبنان بنداً أولاً وملزماً بوقف العدوان الشامل وحفظ السيادة كاملة غير منقوصة.

إن التفاهم الحالي لم يولد من ضعف، ولم يتأخر بسبب تخلٍّ إيراني، بل كبّلته الحسابات الحكومية الضيقة التي حاولت الهروب من التموضع الإقليمي الصحيح، قبل أن يفرض الميدان وعين التينة كلمة الفصل التي أجهضت فخاخ نتنياهو وأعادت للأرض كبرياءها العسكري والسياسي.