إقفال عام بمناسبة عاشوراء صدرت عن رئاسة مجلس الوزراء مذكّرة رقم 2025/26 حول إقفال كافّة الإدارات العامة والمؤسسات العامة والبلديات…
مقالاتعاشوراء: حين ينتصر الدم على السيف ويعلّم المظلوم كيف يصبر حتى النصر
عاشوراء: حين ينتصر الدم على السيف ويعلّم المظلوم كيف يصبر حتى النصر

في كل عام حين يحلّ شهر محرم وتُرفع رايات العزاء وتُضاء شموع الذكرى، يعود المسلمون إلى ذلك الدرس العظيم الذي علّمه الإمام الحسين بن علي للإنسانية جمعاء على أرض كربلاء: أن الدم يمكن أن ينتصر على السيف، وأن المظلوم حين يتمسك بمبدئه حتى آخر رمق يكتب تاريخاً لا تمحوه السنون ولا تطمسه سنابك الخيل.
تابع HOSTNEWS على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
كربلاء: ليست هزيمة بل انتصار من نوع آخر
يخطئ من يقرأ معركة كربلاء بمنطق النصر والهزيمة العسكريين البحتين، فالحسين الذي خرج بسبعة وسبعين رجلاً في مواجهة جيش يُعدّ بالألوف، لم يكن يجهل حسابات الميدان ولا يغفل عن موازين القوى. لكنه اختار بوعي كامل وإرادة حرة أن يقدّم نفسه وأصحابه شهوداً على الحق في زمن طغى فيه الباطل واستشرى الظلم وبات السكوت على الباطل جريمة أكبر من مواجهته.
وفي تلك اللحظة الفارقة من تاريخ العاشر من محرم، حين سقط الحسين صريعاً على أرض كربلاء وعلت صرخة النساء والأطفال في خيام آل بيت النبوة، بدا للوهلة الأولى كأن السيف انتصر. لكن التاريخ، ذلك الحكم العادل الذي لا يستعجل أحكامه، أثبت أن ما جرى في كربلاء لم يكن نهاية بل بداية، وأن دم الحسين كان البذرة التي أنبتت ثورة الضمير الإنساني عبر العصور والأجيال.
درس المظلوم: الصبر ليس استسلاماً
وتحمل عاشوراء في طياتها رسالة عميقة لكل مظلوم في كل زمان ومكان، مفادها أن الصبر على الظلم ليس استسلاماً ولا قبولاً بالهوان، بل هو فن راقٍ من فنون المقاومة يقوم على الإيمان بأن لكل ظالم نهاية وأن عجلة التاريخ لا تتوقف. فالحسين لم يُدخل خيمته حين أحاط به الأعداء ولم يساوم على مبدئه حين عُرضت عليه الدنيا بما فيها ثمناً لتنازل عن الحق، بل ثبت على موقفه وقال عبارته الخالدة التي لخّصت فلسفته كلها: “هيهات منا الذلّة”.
وفي هذا الثبات تحديداً يكمن سر الانتصار الحقيقي، فالرجل الذي لا يُكسر ولا يُشترى ولا يُخضع ولو طال به الزمن هو الرجل الذي يرسم بدمه خطاً لا يُمحى في وجدان الأمة. وهكذا كان الحسين الذي لم يملك من عتاد المعركة إلا إيمانه ومبدأه وعدد قليل من الأصحاب المخلصين، غير أنه استطاع أن يُحوّل كربلاء من موقعة عسكرية إلى محطة روحية وأخلاقية تُدرَّس على مدى أربعة عشر قرناً ولا تزال.
الظالم وعقدة الزمن
ومن أعمق دروس كربلاء أيضاً أن الظالم مهما بلغ من القوة وامتد سلطانه فإنه يحمل في داخله بذرة زواله، فيزيد بن معاوية الذي أمر بقتل الحسين وظن أنه أسكت صوت الحق إلى الأبد، ذهب إلى مزبلة التاريخ بينما بقي اسم الحسين يُتردد على مدى الأجيال في كل بقعة من الأرض يؤمن أهلها بالكرامة والعدالة. وهذه المعادلة الكونية التي أثبتتها كربلاء ليست حكراً على زمن أو مكان بعينهما، بل هي قانون ثابت في ناموس الوجود: الحق يُضطهد ولا يموت، والظلم يسطو ولا يدوم.
عاشوراء في لبنان: الذكرى والراهن
وفي لبنان الذي يحيي هذه الذكرى بعمق روحي وشعبي واسع، تكتسب إحياءات عاشوراء هذا العام بُعداً استثنائياً في ظل المرحلة الدقيقة التي يمر بها البلد، حيث تتشابك تحديات الحرب والسياسة والمفاوضات مع حاجة شعب عانى كثيراً إلى استلهام معاني الصبر والثبات والإيمان بأن الحق في نهاية المطاف لا يُهزم. فعاشوراء في لبنان ليست مجرد ذكرى تاريخية تُستحضر كل عام، بل هي منهج حياة يُعيد كل مرة تعريف معنى الكرامة والمقاومة والإيمان بالغد.



